مشكلة “الفن الرفيع”.. أو لماذا ينتصر أحمد عدوية دائماً؟
انتشر مؤخرا خبر إنتاج الفنان المصري عمرو مصطفى، المثير للجدل دوما، أغانٍ جديدة بالذكاء الاصطناعي، يعيد بها تقديم مطربي “الزمن الجميل”، بكلمات وألحان من تأليفه، ضمن خطته لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وفقا لمنظور جديد، يكسر كل القواعد الفنية “المتحكّمة” من وجهة نظره. منذئذٍ، هاجت مواقع التواصل الاجتماعي، وأعرب عديد من نجوم الفن والطرب عن خوفهم على التراث الغنائي من هذه التقنية، مطالبين بأن تسنً نقابة الموسيقيين المصرية قوانين تحجّم من انتشار تلك الظاهرة.
إنه كلام يتكرر تقريبا كل أسبوعين في الوسط الفني في مصر، هناك دائما ظاهرة يجب التصدّي لها، هناك دائما خطر يهدد الطبقة السائدة في ذلك الوسط، وعلينا التخلّص منه في الحال، وإلا فالويل والثبور للفن الأصيل وقيم المجتمع.
من جهة أخرى يلاحظ طلّاب معهد النقد الفني، في أكاديمية الفنون المصرية، أنه لا يتم تدريسهم شيئا عن الموسيقى الشعبية المصرية، رغم أهميتها التاريخية، وانتشارها الكبير، مثل أعمال بدريه السيد، خضره محمد خضر، شريفة فاضل، أحمد عدوية، عبد الباسط حمودة، شفيقه، وحتى محمود الليثي ورضا البحراوي. كلهم علامات في الفن المصري، ويتم تجاهلهم داخل المعهد وخارجه. وحاليا، مع تعاظم أزمة مغني المهرجانات والراب والتراب، ومشكلة “الذكاء الاصطناعي” المستجدّة، يتجدد السؤال: لماذا تُعامل كل تجربة موسيقية جديدة، سواء كانت شعبية، أو مستفيدة من آخر تطورات الفن والتكنولوجيا العالمية، بكل هذا الرعب والتعالي من قبل الوسط الثقافي المصري؟
ربما كان التفكير بحالة الفنان الشعبي أحمد عدوية بالخصوص أفضل طريقة لفهم حروب القيم الثقافية في السياق المصري، فذلك الفنان، رغم كل التجديد الذي قدمه، في بنية الأغنية والأداء؛ والوسائط والتقنيات الجديدة التي استخدمها، اعتبر لفترة طويلة “العدو الثقافي”، الذي يجب تصفيته، ولكنه استمر، وبمرور السنوات صار رمزا لا يمكن تجاوزه من رموز الثقافة المصرية المعاصرة، وجانبا من “قيمها”، إلى درجة أنه اليوم بات كلاسيكيا، وجزءا من “زمن جميل” ما. فكيف استطاع عدوية أن يكسب معركة القيم الثقافية هذه؟ ولماذا على كل مختلف في مصر أن يجابه كثيرا من العداء، حتى لو لم تكن له ادعاءات “ثورية” أصلا؟
بدأ مشوار عدوية الغنائي في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، حين صدرت له عام 1972 أغنية “السح الدح امبو”، التي باعت تقريبا مليون نسخة من شرائط الكاسيت، الاختراع الحديث آنذاك، الذي بدأ صيته يذيع مع بدايات العقد، وقد عانت مصر في تلك الفترة، أي بين هزيمة 1967، والتحضير لحرب عام 1973، حالة عدم استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي، مما أثّر بالتأكيد على الحركة الفنية. فقد قلّ الإنتاج الحكومي للأعمال الثقافية، بسبب ضعف الدعم المادي. أما بالنسبة لنجوم ذلك العهد، فقد وصلوا لنهاية مشاويرهم الفنية، خاصة نجم الشباب الأول عبد الحليم حافظ، الذي توفي عام 1977، وبدأ مرضه في العام نفسه، الذي صدرت فيه أغنية “السح دح امبو”؛ أما أم كلثوم فقد توفيت عام 1975، بعدما اعتزلت الغناء عام 1973.
كان عبد الحليم الأكثر ذكاء في فهم موهبة عدوية، الصاعدة بقوة، فعمل على احتوائه والاستفادة منه، عبر استضافته في جلساته الخاصة، التي شهدت كثيرا من الفكاهة بين النجمين. إذ كان حليم يغني “السح الدح امبو”، فيرد عليه عدوية بـ “نار يا حبيبي نار… فول بالزيت الحار”. إلا أن الأمر لم يقتصر على النكات الفنية، فقد كان عدوية صيدا ثمين جدا لشركة “الصوت الفني”، التي احتكرت إنتاج شرائطه وأفلامه، وكان عبد الحليم شريكا فيها.
أما عن موسيقار الأجيال، محمد عبد الوهاب، الذي أرهب عديدا من الأصوات الصاعدة آنذاك، لدرجة أن مغني تلك الفترة كانوا يخشون تغيير طبقة صوت واحدة في أغنيه من تلحينه، فكان من المستعلين على أحمد عدوية، وعلى نجاحه، حتى أنه وصفه في مذاكرته بأنه “صاحب موهبة فطرية، وصوت به شجن طبيعي، يشعرك باليتم القاتم، مع ذلك، فهو لا يرقى أن يكون فنانا حقيقيا”.
اتهامات عبد الوهاب لم تكن رأيه الشخصي فحسب، بل ربما كانت الصيغة الألطف للهجمة الشرسة، التي تعرّض لها عدوية، من قبل كثير من الفنانين والصحفيين والمثقفين. ومن أهم ما اتُهم به أنه “ثمرة فاسدة من ثمرات الانفتاح الاقتصادي”، أي أنه الصوت الذي برز مع صعود فئات اجتماعية جديدة، وانحدار أخرى، نتيجة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، التي عرفتها البلاد في عهد الرئيس أنور السادات، ليرد عدوية بكل بساطة بالقول: “شرفٌ لي أن يربط أسمي بفترة من تاريخ مصر، وأن أكون علامة تميّز هذه الفترة”.
ولكن السؤال المهم هنا: من كسب حرب الاستعلاء تلك؟
بالتأكيد عدوية، وأول دليل على ذلك الانتصار هو نجاحه بتثبيت قدميه، رغم الحرب التي شنتها ضده جهات متعددة، والتي تحوّلت فيما بعد، وبالتدريج، إلى دعم مزيّف.
الحديث هنا ليس عن شخص أو فنان بعينه، إنما عمّا يمكن تسميته “الطبقة المثقفة” بشكل عام، التي ترى نفسها حامية للثقافة الوطنية الراقية وقيم المجتمع، والتي حاولت اسكات كل من يشذّ عن معاييرها، وصبّت جام غضبها على عدوية في بداياته، ووصفته بأنه السبب الرئيسي لاضمحلال الذوق العام، فقط لأنه لا يشبهها، ولا يتحدّث مثلها، ولم يتلق التعليم نفسه الذي تلقته، بالتالي لا يرقى لأن يكون جزءا من تلك الطبقة، التي تحارب أي اختلاف، رغم أن الفن والثقافة لا ينتعشان إلا بالاختلاف.
وجه آخر لنجاح عدوية، يكمن في كلمات أغانيه نفسها، التي ردّت على منتقديها بعدم اكتراث شامل، وكأن لسان حاله يقول: “هل تضايقهم مصطلحاتي الشعبية؟ إذن سأقدم أغنية موجّهة لهم بشكل مبطّن”، وهكذا صدرت أغانٍ مثل “مابلاش اللون دا معانا، راح تتعب أوي معانا”، “وكله على كله، دا احنا معلمين”، وهكذا فإن عدوية لم يشغل نفسه بكثير من المعارك الصحفية والنظرية، بل واجه خصومه بفنه، الذي حمل نقدا سياسيا واجتماعيا، شجنا، حبا، موسيقى مميزة، وكثيرا كثيرا من العناصر، التي جعلت منه حالة فريدة.
تكرّر هذا السيناريو مع كثير من التجارب الموسيقية والغنائية، فيما بعد، التي حوربت في البداية، ثم انتصرت وسادت، ولكن يبقى عدوية الحالة الأكثر دلالة وتأثيرا، خاصة إذا عرفنا أهميته البالغة، في إنقاذ الإنتاج الموسيقي المصري بأكمله.
أثناء دراسته لظاهرة “الصوت” في ثورة يناير عام 2011، قام الباحث الأمريكي أندرو سايمن بالبحث في تاريخ جهاز الكاسيت في مصر، ملاحظا، في ورقة نشرتها جامعة ستانفورد، أن كثيرا من الأصوات البارزة في ميدان التحرير المصري، الموطن الأساسي للثورة، كان ظهورها الأول عبر شرائط الكاسيت، مثل عايدة الأيوبي والشيخ إمام. ناقشت الدراسة دخول اختراع الكاسيت إلى المجتمع المصري، وتطوره من أداة لتسجيل الموسيقى تارة، والدروس الدينية تارة أخرى، إلى ملمح شعبي يميّز الثقافة المصرية، إذ لعب دورا كبيرا في التواصل بين الناس، بالأخص مع تفشي ظاهرة الغربة، فكان الوسيلة التي يستطيع من خلالها الفرد سماع صوت أحبائه، وإسماعهم صوته، عبر إرسال شرائط لهم، بدلا من الرسائل الورقية التقليدية. ولأهمية ذلك الاختراع المستجد، ازدهرت صناعة متكاملة، ميّزت فترة الانفتاح الاقتصادي في مصر، وبالطبع فإن النجم الأول لتلك الصناعة كان أحمد عدوية، الذي حقق شريطه الأول رقما قياسيا في المبيعات، لم يحققه عبد الحليم حافظ، وردة، هاني شاكر، عماد عبد الحليم، إيمان البحر درويش، وكثير من رواد الموجة الكلاسيكية، التي كانت تمثل “الموسيقى الراقية” في ذلك الوقت.
لم يستطع الباحث سايمن تجنّب ذكر عدوية، أثناء تأريخه للكاسيت، رغم أن موضوعه الأساسي كان الثورة، وهذا أمر طبيعي، فإذا كان الكاسيت جزءا من بحثك، سيصير عدوية حتما في مقدمة الحديث، فلولا أغان مثل “السح الدح امبو” و “زحمة يا دنيا زحمة” و “كركشنجي”، كان من المستحيل تطوّر تسجيلات الكاسيت، ومن ثم ظهور الموجات الجديدة من الموسيقى المصرية، مثل أغاني عمرو دياب ومحمد منير.
وجود عدوية، وشعبيته التي تزايدت يوما عن يوم، كانت السبب في استمرار سوق الكاسيت في مصر، فقد أعطى دفعة للصناعة، ساعدت شركات الكاسيت وموزعيها على الاستمرار، في وقت كانت مصر تعاني فيه من أثار حرب الاستنزاف، حرب أكتوبر، وبدايات الانفتاح الاقتصادي ،الذي غير شكل الحياة الاقتصادية في مصر. وبالتالي طبع عدوية كامل الصناعة الفنية في مصر بطابعه، بعدما تحررت من الإنتاج الحكومي.
وكذلك لا يمكن إنكار أن انتشار الكاسيت، في توقيت ظهور عدوية نفسه، كان مكسبا له كذلك، فلو ظهر قبل أو بعد ظهور الكاسيت، لربما لم يكن سينجح كل هذا النجاح الساحق. استفاد المغني الشعبي من التقنية الجديدة، التي مكّنته من نشر صوته وأغانيه، على نطاق أوسع من الاسطوانات.
في ثمانينات القرن الماضي في مصر، تفاقمت كثير من المشاكل في المجتمع، مثل التكدّس السكاني، الاختناق المروري، البطالة وغلاء الأسعار، بات الناس يبحثون عمن يعبّر عن أوضاعهم هذه بشكل ساخر، بعيدا عن الرزانة الكلاسيكية، التي استمر نجوم تلك الفترة بتكرارها. هنا ابتكر عدوية شكلا جديدا للتعبير عن المجتمع، عبر الغناء والمواويل، فهذه أغنية طويلة عن “الزحمة” والتكدّس المروري، ومعاناة الحبيب في الوصول لملاقاة حبيبة (زحمة يا دنيا زحمة)؛ وتلك أغنية تناقش الوضع السياسي، وانعزال الطبقة الحاكمة عن الشارع المصري (يا أهل الله ياللي فوق، ما تبصوا على اللي تحت).
نعم، كان عدوية مطرب سائقي التاكسي، والحرفيين، والعاطلين عن العمل، وذلك لا يعيبه بالتأكيد، فإذا كان الحديث عن ثقافة أو قيم المجتمع والوطن، فهؤلاء جزء أساسي من المجتمع والوطن، وتلك الأغاني تعبّر عن أفكارهم وحياتهم ومشاكلهم، وبالتالي فإن فرض “الفن الرفيع” و”الزمن الجميل” بشكل أحادي عليهم، يصبح قمعا للمجتمع والوطن.
أما في صناعة السينما، التي سارعت للاستفادة من موهبة وشعبية عدوية، فيمكننا أن نلاحظ، بنظرة سريعة على إنتاجاته، أنه لعب دائما دور “ابن الشارع”، حتى عندما جسّد شخصية مصاص الدماء في فيلم “أنياب” الفانتازي. ربما كان القائمون على الفيلم قد أرادوا تقديم عدوية، بوصفه “رمزا انفتاحيا”، بهيئة شخص مستغل يمصّ دم “الغلابة”، ولكنه، حتى في هذه الحالة، بقي الأقرب لوجدان كثير من الناس، والأشبه بهم.
يمكن أيضا ملاحظة أن معظم إنتاجات عدوية السينمائية جاءت ضمن ما يعرف بـ”سينما المقاولات”، أي الأفلام منخفضة التكلفة، والتي ساهمت بالحفاظ على صناعة السينما المصرية، في ظرف تاريخي شديد الصعوبة.
عدوية ينتصر دائما. ولعله من “مكر التاريخ” أنه بات يعتبر اليوم فنانا كلاسيكيا، فكيف وصل إلى المستوى “الكلاس”، رغم أنه كان دائما الضد من “القيم السليمة”؟
في بدايات العام الحالي 2023، صدرت أغنية للفنان المصري محمد رمضان، بعنوان “على وضعنا”، تحمل صورة أحمد عدوية. أغنية لا تختلف كثيرا عن مثيلاتها من إنتاجات رمضان، إلا باحتوائها صوت عدوية، الذي تغيّر كثيرا عن بداياته، وبات صوتا يحمل في طياته خبرات السنين. عندما أراد رمضان أن يعزز وجوده الفني في عالم اليوم، وسط كل الانتقادات، لجأ إلى عدوية، الذي بات “التراث”، المحترم من كل المصريين والعرب.
ما زالت إنتاجات عدوية حتى الآن، وبلغة الأرقام، تحقق نجاحا كبيرا. على سبيل المثال لا الحصر، قام في عام 2021 بإعادة إنتاج أغنيه “ستو بسبستلو” مع فرقة “كاريوكي”، بتوزيع جديد؛ وقبلها غنى مع فرقة وسط البلد عام 2013، ليعيد تقديم أغنية “كركشنجي”، ما جعل كثيرا من أبناء الجيل الجديد يكتشفون واحدة من أقوى أغاني عدوية. فيما قام عام 2017، وبالتعاون مع محمود الليثي، بتقديم أغنية لمسلسل “رمضان كريم” بعنوان “صح النوم”، لاقت رواجا كبيرا، من وقتها وحتى الآن. هذا فضلا عن أغنية “مسافر” مع المغني “أبو” عام 2015، والتي تحمل معان سياسية واجتماعية مهمة.
الطريف أن البعض يتهمون عدوية اليوم بأنه “بهدل نفسه”، بالغناء مع شخص مثل محمد رمضان، وكالعادة، لم يشغل عدوية باله بمثل هذا النوع من الانتقادات.
بعد خمسين عام من العمل الفني، ومواجهة عواصف أنصار قيم المجتمع والثقافة الرفيعة، يعتبر عدوية الآن من الكلاسيكيات، تذكره الطبقة المثقفة المتعالية باسم “عمنا عدوية”، محترم ومقدّر من الجميع، يكمن سر ذلك في أمرين: أولهما اختلاف عدوية، فمنذ مواله الأول كان مختلفا عن الجميع، في الموسيقى، الكلمات، المواضيع التي يناقشها، انحيازه للطبقات، التي لم يمثلها الفن الكلاسيكي؛ والثاني هو شغفه بفنه، وثباته عليه، رغم كل العواصف التي ثارت عليه.
هل يذكرنا هذا بشيء من واقعنا المعاصر؟ بالتأكيد. إنه شبيه بمشكلة مطربي المهرجانات والراب المعاصرين، الذين حوربوا لفترة طويلة من “نقابة المهن الموسيقية”، ونجوم الإعلام المصري، الذين تعمّدوا التقليل من شأنهم، لبذاءتهم، ورداءتهم، وتمثيلهم للغة وثقافة سائقي التكاتك، ومخالفتهم لقيم الأسرة والمجتمع. إلى أن وصلنا إلى عصر باتوا يعتبرون فيه جانبا من الثقافة المصرية، ومن “قوة مصر الناعمة”.
ربما يمكن توجيه كثير من الانتقادات الفنية للمهرجانات، بل وأيضا لأغاني عدوية، ولكن المشكلة ليست في الفن أصلا، بل بالتحديد في “القيم”، التي تحاول فرض نفسها دائما، ثم تنتهي مهزومة، لأن المجتمع دائما أوسع وأكثر تنوعا وحيوية منها. إلا أنها دائما، وقبل هزيمتها، تضيّق، وتقمع، وتصعّب الحياة على كثير من الموهوبين. هذا عن الفن فقط، فما بالك إذا عممناه على مختلف مناحي الحياة، من السياسة وحتى أصغر تفاصيل الحياة اليومية.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.