حرب قيم “المجتمع”: كيف بات “الجندر” عدو السلطة والمعارضة في العراق؟

حرب قيم “المجتمع”: كيف بات “الجندر” عدو السلطة والمعارضة في العراق؟

’’المثليون مغتصبو الأطفال، مجهولو الهوية الجنسية، ممارسو الجنس مع الحيوانات’’. هذا ما جاء في الكتاب الرسمي، الصادر من ديوان محافظة البصرة، الموقّع من المعاون الإداري للمحافظ ، واصفا به مصطلح الجندر، وموجّها، عبر الكتاب، كافة الدوائر التابعة لحكومة البصرة المحلية، بمنع إقامة الدورات والفعاليات، التي تندرج تحت مصطلح النوع الاجتماعي، للحفاظ على الأسرة والمجتمع.

جاءت هذه الإجراءات استجابة لما حدث في الأيام السابقة، من حملات ممنهجة ضد الحكومة العراقية، لاستخدامها مصطلح الجندر، إذ وُصفت بأنها داعمة لأجندات خارجية غربيّة، تدعو إلى “الإباحية واللواط والدياثة”، حتى أصبح نعت “الحكومة الجندرية”، وصمة تلاحق الحكومة في مواقع التواصل الاجتماعي.

 مصطلح “الجندر”، أو النوع الاجتماعي، كان معتمدا في الكتب الرسمية للدولة العراقية منذ عام 2006، بدءا من الجهاز المركزي للإحصاء، التابع لوزارة التخطيط؛ مرورا ببرنامج النوع الاجتماعي، المقترح من قبل صندوق الأمم المتحدة للسكان عام 2008، والمصادق عليه من الحكومة؛ ووصولا إلى لجنة النوع الاجتماعي، التي تشكّلت في الأمانة العامة لمجلس الوزراء، بالأمر الإداري 40108 في 30 كانون الأول/ ديسمبر 2015، والمعنية بإدماج مفاهيم النوع الاجتماعي في موازنة عام 2021 المالية، والتي تضمّنت حصة مالية تخص برامج النوع الاجتماعي.

وبالتالي فإن “الجندر” تعبير رسمي في العراق، وجانب من اللغة القانونية والإدارية، منذ سبعة عشر عاما، فما الجديد، الذي جعل قوى سياسية عراقية تحتجّ عليه الآن؟ وأيضا ما علاقة الجندر بأشياء مثل “اللواط” و”الدياثة”؟

قد يظن البعض أن سبب كل هذا الاحتجاج على “الجندر” هو جهل كثير من الفاعلين السياسيين العراقيين بمعنى المصطلح، ما يجعلهم يخلطون بينه وبين المثلية الجنسية، باعتبار كل هذه المصطلحات مرتبطة بما يعتبرونه تهديدا لـ”قيم المجتمع العراقي”، إلا أن الجهل وحده لا ينتج حملات سياسية، تستطيع إحراج الحكومة. هنالك عوامل سياسية وأيديولوجية أكثر تعقيدا لما يحدث الآن في العراق. فما أهم تلك العوامل؟ وكيف صارت مصطلحات من هذا النوع ميدانا لصراع الأحزاب العراقية على الهيمنة؟

“الجندر هو الشذوذ”: مَنْ الأكثر غيرة على “المراجع العُظام”؟

حقيقة الأمر، لم تكن هناك مشكلة لدى حكومة “الإطار التنسيقي” مع مصطلح “الجندر” أو ما يعنيه، فقد تم استعماله في منظمات المجتمع المدني داخل العراق، للإشارة إلى “الأدوار المحددة اجتماعيا للنساء والرجال، وهذه الأدوار تُكتسب بالتعليم، وتتباين داخل الثقافة، وتختلف من ثقافة إلى أخرى”، كما هو موضّح في الكتاب الصادر من “الأمانة العامة لمجلس الوزراء/ دائرة شؤون مجلس الوزراء واللجان”، والمعمم لدى كافة الوزارات، إلا أن الحرب الإلكترونية، التي شنها أتباع التيار الصدري، المنسحبين من الحكومة، ضد زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم، وهو الضد النوعي لمقتدى الصدر، وأحد أطراف “الإطار التنسيقي”، جعل الحكومة تتخذ خطوات سريعة لاحتواء الموقف. 

الحكيم وجد نفسه، بين ليلة وضحاها، وسط عاصفة من الانتقادات، والسب والشتم، بعد أن تداول مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي تسجيلا مصوّرا له قبل عامين، وهو يتحدث عن الجندر، ضمن فعاليات المؤتمر السنوي الثالث عشر لمناهضة العنف ضد المرأة، ورغم أنه تحدّث عن حقوق المرأة، وضرورة توفير برامج تثقيفية تخص الجندر، لتقليل العنف ضد النساء، إلا أن متداولي التسجيل اعتبروا أنه يدعو للمثلية الجنسية، وتحوّل بعدها إلى “كوميكس” يُشارك على مواقع التواصل، وشيطان يشتم على منابر الحسين، في شهر محرم الحالي. 

وعلى الرغم من محاولة الحكيم احتواء الموقف، من خلال تغريدة توضيحية لموقفه، إلا أن الحملات استمرت ضده، ما دفع “الإطار التنسيقي” إلى التبرؤ من رأيه، عبر عدة مواقف وقرارات وبيانات، أهمها بيان “كتلة دولة القانون”، بقيادة نوري المالكي، زعيم “حزب الدعوة الإسلامية”، ورئيس الوزراء العراقي الأسبق، الذي أشار إلى أن “المصطلح يعارض الدين والأعراف، وينبغي حظره”. كما قدمت لجنة النزاهة في البرلمان العراقي طعنا في المادة  65 من قانون الموازنة، التي تسمح بدعم المنظمات الدولية للجامعات العراقية، من خلال منح تخص النوع الاجتماعي؛ ومشروعا لتعديل قانون العقوبات العراقي، ليسمح  بمعاقبة المثلية الجنسية، كما صرّح نائب رئيس لجنة النزاهة النيابية سعود الساعدي، بتاريخ الثامن من آب/أغسطس الجاري.

الساعدي أكد أن “المقصود بالنوع الاجتماعي هو الشذوذ الجنسي، بحسب المصطلحات الأميركية”. وهكذا فيبدو أن “الإطار” بات له موقف أكثر تطرفا من الصدر نفسه في مواجهة الجندر و”الشذوذ”.

لم تكن هذه المرة الأولى في الفترة الماضية، التي يحتوي فيها الإطار التنسيقي موقف مقتدى الصدر، ويسحب من تحته البساط، أثناء محاولاته للسيطرة على زمام الأمور. ففي بداية شهر تموز/ يوليو الماضي هاجم أتباع الصدر نحو عشرين مقرا تابعا لـ”حزب الدعوة”، بدعوى أن الحزب هاجم محمد صادق الصدر، والد مقتدى الصدر، واتهمه بعلاقات تربطه مع حزب البعث المنحل. إلا أن “حزب الدعوة”، وهو الركن الأساسي للإطار التنسيقي، عاد ليصدر بيانا رسميا، نفى فيه الإساءة للصدر الأب، بل زاود على الصدريين بالمطالبة بتشريع قانون “يرفض المساس بمراجع الدين العظام، الشهداء منهم والأحياء”.

هكذا فمن “المقدسات”، مرورا بـ”مراجع الدين العظام”، وصولا إلى الجندر والمثلية، يحاول الإطار التنسيقي انتزاع كل أدوات الصدر، التي يمكن له من خلالها تحريض الشارع، فبعد انسحابه من مجلس النواب، تاركا خلفه ثلاثة وسبعين مقعدا شاغرا؛ وتنحي كاظم الحائري، مرجع الصدريين، من مهام المرجعية؛ وحزمة التغييرات التي قام بها رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، عبر إقالة الصدريين داخل الحكومة، لم يعد أمام مقتدى الصدر أداة يمكن الاستفادة منها سوى العاطفة الدينية، ويبدو الآن أن مصطلحات النوع الاجتماعي هي الضحية الجديدة لحروب “الحساسيات المقدسة” بين الصدر والإطار. ولكن ما سبب هذا الموقف المتشدد للغاية من المثلية الجنسية، لدرجة شطب كل مصطلح أو فكرة، يمكن أن ترتبط بها من قريب أو بعيد؟

“بلوكة الشواذ”: ما أبعاد “العلاقة السامة” بين الصدر والمثليين؟

من المعروف مدى عداء مقتدى الصدر للمثليين، والانتهاكات التي ارتكبها بحقهم، إلا أن لغة التعاطي معهم تختلف بين حين وآخر، وبحسب قوة الصدر ومدى سيطرته على الشارع، إذ كثيرا ما راح المثليون ضحية محاولاته لترميم سلطته، ولاستعادة نفوذه بين الناس، بعد كل ضربة كبرى يتعرّض لها.

مرت فترة صعبة على العراق، كان أنصار الصدر يقتلون المثليين فيها بالأحجار الضخمة، فيما عرف وقتها بظاهر (البلوكة)، نسبة لسحق رؤوس المثليين بالبلوك، أي الأحجار المخصصة للبناء، وهي الفترة التي وصلت ذروتها عام 2009، أي بعد عملية “صولة الفرسان”، التي أطلقها نوري المالكي عام 2008، إبان رئاسته لمجلس الوزراء العراقي، ضد ميليشيا “جيش المهدي” التابعة للصدر، والتي انتهت بتحطيم تلك المليشيا، وبعد فترة قصيرة وثّقت منظمة  “هيومن رايتس ووتش”، منذ بدايات 2009، أعمال اختطاف وإعدام وتعذيب، ارتكبها ما تبقى من “جيش المهدي”، ضد رجال مثليين أو يُتصَور أنهم مثليون.

في حين نجد أن لغة الصدر مع مجتمع المثليين كانت في أوج سلامها عام 2016، وهو العام الذهبي له، فقد كان يحتل ساحات بغداد بجيوشه المليونية، ويستعرض قوته، ويدخل المنطقة الخضراء، ويعتصم بها، وقد أصدر بيانا في تموز/ يوليو من ذلك العام، يحظر فيه العنف ضد المثليين والمثليات، وذوي التوجه الجنسي المزدوج والعابرين جنسيا، أو الذين لا يتّبعون المعايير الجندرية التقليدية.

اليوم عاد الصدر إلى موقع الضعف، ونراه مجددا يشن الحملات ضد المثلية، بل ويزاود ليهاجم مصطلح الجندر، الذي نجح بربطه في أذهان كثير من العراقيين بالمثلية.

يشكّل عدد المثليين في العراق، وفق مرصد “أوروكاجينا” لحقوق الإنسان، في تقريره الصادر عام 2021، زهاء 4500 إلى 5000 شخص، ولو افترضنا أن عدد الذين رفضوا التحدث عن توجهاتهم الجنسية، أو لم يتم تسجيلهم في التقرير، هو ضعف هذا الرقم، فإن المثليين في العراق لا يشكلون حتى واحدا بالمئة من الشعب العراقي، إلا أنهم دائما ما يتحوّلون إلى أداة للهجوم على الخصوم. ومع ربط المثليين بمفهوم الجندر، الذي تعترف به الحكومة رسميا، تمت إعادتهم إلى ساحة الصراع، بوصفهم وصمة عار لحكومة الإطار، التي لم تسكت بدورها، وسارعت للتخلّص من “عارها”. هكذا يحاول التيار الصدري إعادة إنتاج وجوده، بتكلفة سهلة، وهي عداء أكثر الشرائح تهميشا وضعفا داخل المجتمع العراقي.

الخانة الفارغة: هل تهتم الدولة العراقية فعلا بالجندر؟

نستطيع أن نفهم توجهات السلطة السياسية/الدينية لحظر مصطلح الجندر، عن طريق فهم ماضيها في التعامل مع كل ما هو غير ملائم لمزاجها، من خلال إصدار قوانين، منع بعضها، أو حظر المصطلحات التي يندرج تحتها كثير من النشاطات الثقافية والمدنية. ويمكن فهم المزاجية الحالية من خلال تفكيك الارتباط المباشر بين ما تصرّح به الحكومة في بياناتها، وبين المعادلات السلطوية الواقعية على الأرض.

ترغب الحكومة العراقية الآن، التابعة للإطار التنسيقي، بالحفاظ على قوتها المكتسبة داخل هيكلية الدولة، وكسب مزيد من السلطة المجتمعية، من خلال احتواء أي غضب غير موجّه ضدها، أو أي أداة يمكن لمعارضيها، وعلى رأسهم التيار الصدري، استغلالها، لذا يمكن اعتبار جمل من قبيل “الحفاظ على الأسرة وتماسك المجتمع”، بمثابة خانة فارغة، تستطيع الحكومة ملأها بأي معنى، لصياغة الأحداث وفق ما تريد. ويمكن اعتبار الإجراءات، التي صدرت خلال الفترة الماضية (حظر المحتوى الهابط، منع الاعتداء لفظا على الشخصيات الدينية، وغيرها) نموذجا جيدا للقياس.

في حقيقة الأمر لا تهتم الدولة بالجندر، سواء بوصفه مصطلحا أو معنى، وهي غير معنية بتقنين المثلية، وغير مهتمة بوضع النساء داخل البلاد، لكنها تسارع لكسب أية ساحة جديدة، يمكن لمنافسيها التواجد فيها، لذا فعندما حاول الصدر العودة إلى الصدارة، من خلال لعب دو الحامي للمجتمع، احتوته الحكومة، وأنتجت قمعيتها الخاصة، وحظرت مفهوم الجندر.

من المتوقع أن ينتج هذا المستوى من الصراع السياسي كثيرا من القمع المعمّم للشعب العراقي، إذ ستتدخّل الأحزاب المتسلّطة بكل تفاصيل حياة الناس، ابتداء من علاقاتهم الجنسية (بحجة مكافحة المثلية)؛ مرورا بهيئتهم وملابسهم (بحجة الأخلاق العامة، والتصورات المقبولة عن الذكورة والأنوثة)؛ وصولا إلى أنماط تعبيرهم، سواء في الحيز العام أو على وسائل التواصل الاجتماعي (بحجة حماية المقدسات ورجال الدين العظام).

وسط كل هذا يبدو من المستغرب جدا الحديث عن “قيم مجتمع” لا تستطيع الحفاظ على نفسها، إلا من خلال كثير من العنف، من الإجراءات الحكومية القمعية، وحتى سحق رؤوس الناس بالأحجار. في الواقع هكذا قيم تغدو قيم السلاح المنفلت، والميليشيات المدعومة إقليميا، والأجهزة الحكومية غير الواثقة من شرعيتها، أما القيم الاجتماعية الفعلية، الأخلاقية والثقافية والدينية، فهي تتسم بطبيعتها بالمرونة والتنوّع، بناء على تنوع المجتمع نفسه، وتعدد فئاته وتياراته وأفكاره. تغدو “قيم المجتمع”، بهذا المعنى، اعتداء على المجتمع نفسه.

 لا نعلم ما الذي ستحظره الحكومة العراقية ومعارضوها في المستقبل، ربما ستمنع مصطلح النسوية نفسه، أو تعتبر عبارة “انتفاضة تشرين”، تهديدا لمقدسات العراق، ففي حروب السلطة العراقية لا تهم الحقوق الاجتماعية والفردية، بقدر ما يهم الفوز. ولا نعلم أي سكين في المرة القادمة ستُغرز في قلب مدنيّة العراق.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
3.3 25 أصوات
تقييم المقالة
2 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات
زينة عسكر
2 سنوات

مقتل ذكي جدا وتحليل دقيق في ربط الاجندات السياسية بقضايا الحقوق

رشا
2 سنوات

رائع