“بريمو” هنيدي: هل ما زالت “السينما النظيفة” قادرة على إضحاك أحد؟

“بريمو” هنيدي: هل ما زالت “السينما النظيفة” قادرة على إضحاك أحد؟

قبل خمسة وعشرين عاما بالضبط، وفي هذا الشهر نفسه، آب/أغسطس، نال ممثل مصري شاب، اسمه محمد هنيدي، شهادة نجاحه بوصفه “كوميديان” في عالم السينما، حين خرج للجمهور بفيلم “صعيدي في الجامعة الأمريكية”، الذي انتقل به من الأدوار الثانية، ومن قبلها الثانوية، إلى البطولة المطلقة، بل وصار مؤهّلا لمنافسة كبار الفنانين، سواء من أجيال سابقة، أو حتى أبناء جيله، إلى أن صار الأبرز بينهم.

في أيامنا، وبالتحديد في الثالث من آب/أغسطس الحالي، وبعد كثير من الأفلام، خرج هنيدي بفيلم جديد اسمه “مرعي البريمو”، وقد استبق الفنان عرضه بوعد الجمهور أن الفيلم سيكون “مُصالحةً لهم”، بعد أعمال سابقة، أعلن أنه لم يكن هو نفسه راضيا عنها.

ربع قرن بين فيلمي “صعيدي” و”مرعي”، انتقل فيهما هنيدي بين الجامعة الأمريكية وسوق البطيخ، والمشترك الأساسي بين العملين أن بطلهما هنيدي، ومخرجهما سعيد حامد، أمّا الاختلاف في الاستقبال الجماهيري فكان كبيرا. وبالمقارنة، سنجد الأمور تصبّ ببساطة في صالح الفيلم القديم، والذي باتت “إفيهاته” جزءا من الثقافة الجماهيرية في مصر، وأجزاء كبيرة من العالم العربي، فيما لم يحصد الفيلم الجديد إلا كثيرا من الانتقادات والسخرية، بل اتُهم المدافعون عنه بأنهم “لجان إلكترونية”، يُشغّلها هنيدي وفريقه.

هل فقد هنيدي مستواه السابق، ولم يعد قادرا على إضحاك جمهوره؟ وهل المشكلة فعلا في فيلمه الجديد؟ أم أن الفيلم يحمل أسلوب هنيدي المعروف، ولكنّ الجمهور والعصر نفسه تغيّرا، ولم يعودا يقبلان خلطه هنيدي، وسينماه “النظيفة” إياها؟

تجديد “السينما النظيفة”: الكليشيه والنمط ضد المنطق

اشتهر هنيدي بكونه أحد روّاد “السينما النظيفة” المصرية، بل ربما يكون نجمها الأبرز. وأسخف تعريف لهذه السينما هو “سينما بدون بوس”. إلا أنها قد لا تستحق تعريفا أعمق، فهي بكل بساطة مجموعة من الأفلام، حاولت تقديم صور مطهّرة لجمهور “سينما المولات”، أي مشاهدي “الطبقة الوسطى” المصرية آنذاك، التي تشاهد الأفلام أثناء تسوّقها في المجامع التجارية، التي كانت ظاهرة جديدة في مطلع الألفية.

“النظافة” كانت تعني غياب المشاهد الجنسية؛ وتجريم العلاقات خارج إطار الزواج؛ والابتعاد عن مناقشة القضايا الاجتماعية والسياسية الشائكة؛ والالتزام بكل الخطابات الوطنية والأخلاقية السائدة، التي تُفرد لها في العادة مساحة واسعة في آخر كل فيلم؛ والاعتماد على كوميديا “الإفيه”، القائمة على التلاعب اللفظي. ولكن كل هذا لا يعني أن تلك الأفلام تعتبر “نظيفة” بمعايير عصرنا، فقد احتوت كثيرا من المشاهد والألفاظ، التي تعتبر اليوم ذكورية أو عنصرية أو هوموفوبية. كما أنها جعلت الإيحاء الجنسي اللفظي بديلا عن “المشاهد الخارجة”، فكان الناس يضحكون على ذلك الإيجاء، في حالة من التواطؤ العام على كبت اجتماعي وجنسي معمّم، وبالطبع فهذا النمط من الكبت يقبل كل أشكال التحرّش وامتهان النساء، ولا يصوّر الشهوة إلا بوصفها اغتصابا أو تغريرا بفتيات بريئات وساذجات. فبطلة “السينما النظيفة” النموذجية كائن بلا رغبات أو جنسانية؛ أما أبطالها فرجال، مهمتهم، في آخر المطاف، العودة إلى جادة الصواب، وإعادة النساء، المغرر بهن، معهم إلى تلك الجادة.

يبدو “مرعي البريمو” فيلما متأخّرا من أفلام تلك الفترة، مهمته تقديم بعض الاسكتشات “النظيفة” المضحكة، التي تعبّر عن البطل ورؤيته، لا عن قصة أو دراما أو مجتمع كبير في الخارج، فيه كثير من المشاكل والمآزق الأخلاقية والحياتية الفعلية؛ وتكتفي بتقديم صورة مطهّرة، لا تقول شيئا إلا عن ذات النجم/بطل الفيلم.

حاول صُنّاع الفيلم أن يبدأوه ببعض الإثارة والتشويق، بحديث عن حفيد غائب ومخاوف من صراعات عائلية، لتنتقل الكاميرا بعدها إلى بطل العمل محمد هنيدي، الذي يعمل في سوق شعبية، قوي الشخصية ومُسيطر.

لكن رغم هذه المحاولة، لم تكن البداية مثيرة على الإطلاق. فعلى مدار نصف ساعة تقريبا، لم تظهر على الشاشة سوى اسكتشات، يتم من خلالها التعريف بهنيدي، لكنها بلا أي رابط أو حبكة أو تسلسل واضح.

وحتى الأغنية التي قدمها هنيدي في حفلة الساحل (وهذا النوع من الأغاني بات تقليدا غير مفهوم في الأفلام المصرية) أتت بلا سياق في أحداث الفيلم. إذ أن هنيدي كان يحضر حفلة كالآخرين، وفجأة اعتلى المسرح، ليُغني بدون أي سبب. وهكذا لم يبد أن “مرعي” من يغني، بل هنيدي نفسه، بشخصيته الحقيقية، ولا مبرر لغنائه سوى أنه هنيدي.  

 التعامل دون منطق ظهر أيضا في رسم الشخصيات وعلاقاتها ببعضها. فبعد مرور اسكتشات البداية، بدأت تظهر علاقة هنيدي بزوجته غادة عادل (لا داعي لذكر أسماء الشخصيات، فلا توجد شخصيات في الفيلم)، وقد غاب المنطق عن العلاقة، واكتفى الفيلم فقط بالصورة النمطية للزوج التقليدي، الذي يعامل امرأته بقلّة احترام، إلى حد السب والضرب؛ إلا أنها، في الوقت نفسه، تتنبه إلى سلوكه، وهو يتغزّل بالسيدات اللاتي يزرنها في بيتهما، فتتبدل الأدوار وعلاقات السلطة، إلى درجة أنها تحبسه في غرفته.

الكليشيهات “النظيفة” لا تنتهي، ربما كانت مثل هذه المواقف مضحكة لجانب من الجمهور قبل خمسة وعشرين عاما، ولكنها اليوم تبدو شديدة السماجة والتبّلد، لتشير إلى صانعي سينما لا يبذلون أدنى جهد لتقديم شيء ملفت لانتباه جمهورهم، حتى بمعايير السينما التجارية.

سينما الصور النمطية: عندما كنّا نضحك على النساء والصعايدة!

قامت “السينما النظيفة” دائما على كثير من التنميطات، هنالك “الصعيدي” و”القاهري”؛ “المعلّم” و”الصانع”؛ “الراجل” و”الست”، وفي الختام، هنالك دائما “المصري”، الذي يثبت أنه “جدع”. وضمن هذه التصورات النمطية يمكن تخيّل أشكال التعامل بين الأبطال. فهنالك “الغزل”، أو للدقة التحرش، الذي تصاحبه أمور، مثل السخرية من أجساد نساء، والذي يمارسه مرعي في عمله بسوق الخضار. مقدّما أيضا الصورة النمطية عن “المعلم”، الذي يتعامل مع عمّاله بلا احترام، وعبر الشتائم والضرب، وكل هذا يعتبر “كوميديا”.

ومن خلال المعلّم مرعي، وجدّه، وزوجي أختيه، نرى أيضا تصدير الصورة النمطية عن مواطني صعيد مصر، الذين يصوّرون بوصفهم أشخاصا عنيفين، يمكنهم ارتكاب جرائم قتل بمنتهى البساطة؛ أو مجموعة من “الطيبين” الأغبياء، مثلما ظهر في مشاهد معاينتهم لخريطة؛ أو أقلّ فكريا ومجتمعيا من الآخرين، عبر مشاهد رقصهم وتحرّشهم بالسيدات، في حفلة يحضرونها في الساحل.

إلا أن الأمر لا يقتصر على “الصعايدة”، ففي مشهد الحفلة نفسها، تظهر الصورة النمطية عن منطقة الساحل وأهلها، وفئاتها المجتمعية الراقية (أولاد الذوات)، باعتبارها موطنا للرقص والعربدة والنساء غير المحتشمات.

مصر، بل والعالم كله، ليس إلا صورا نمطية في خيال نجم محافظ، وفريقه من الكتّاب والفنيين. من كان يضحك على هذا فعلا قبل خمسة وعشرين عاما؟ 

إعادة التدوير: ماذا تبقّى من “كوميديا الأداء”؟

شخصية “مرعي” هي فكرة هنيدي، والمُفترض أنها انتقلت منه إلى المؤلف إيهاب بليبل، الذي أنتج أعمالا ذات مستوى أعجب الجمهور فيما مضى، مثل فيلمي “حامل اللقب” و”جروب الماميز”.

لكن مع “مرعي البريمو” يبدو أنه لم يتم بذل مجهود كافٍ في تطوير الفكرة، كي تتحول إلى فيلم ذي حبكة، أو تسلسل واضح يمكن تصديقه، إذ بدا الأمر وكأنه إعادة تدوير لأعمال سابقة، منها ما كان لهنيدي نفسه، ومنها ما كان لغيره من “نجوم الجيل”.

يستعيد المشاهد بعضا مما كان في فيلم هنيدي “فول الصين العظيم”، وخاصة تيمة الجد الخائف على حفيده من صراعات عائلية، لا يعلم عنها شيئا. أما مشاهد الزنزانة، التي يُسيطر فيها مرعي على الجميع، فتُشبه ما قدمه هنيدي في مسلسل “أرض النفاق”.

أمّا من أعمال الغير، فيظهر “الاقتباس” في أسلوب صراع مرعي مع أحد خصومه، وكأنه مشهد من فيلم “الفتوة” لفريد شوقي، لكن بحسّ كوميدي، ومع اختلاف نهاياتي المشهدين؛ بينما مشاهد الصعايدة في الساحل الشمالي، وانبهارهم بما يرونه، إلى حد ارتكاب أخطاء بحق الغير، فكأنها إعادة تدوير لمشاهد من أحد أشهر المسلسلات الكوميدية المعاصرة، أي “الكبير أوي” لأحمد مكي، الذي يعاني بدوره من الاتهامات بالتكرار والنمطية.

قد يظن البعض أن كل هذا التدوير للصيغ والصور القديمة يتيح للمثلين بعض الفرصة لإظهار موهبتهم في “كوميديا الأداء”، ما دامت الكوميديا الاجتماعية غير مطروحة أصلا، في فيلم لا يقوم إلا على التنميط، إلا أن هذا الافتراض غير صحيح، فقد كان الأداء الكوميدي ضعيفا، يعتمد على أحاديث سريعة، وإفيهات مكررة، في محاولة يائسة للإضحاك.

كاستنغ “السنيدة”: عندما يدور الجميع في فلك البطل

بخلاف هنيدي، لا مجال للحديث عن بقية الممثلين في العمل، ربما ببساطة لأنه لم تعط لهم مساحة كافية للأداء، بشكل يسمح بتقييمهم. ففي هذا الفيلم كان الجميع، تقريبا، يدورون في فلك محور العمل، وهو مرعي/هنيدي.

يُمكن تفهّم أن يكون هنيدي هو المحور في العمل، لكن ليس لدرجة أن نرى الجميع “سنيدة” له، بلغة السينما المصرية. فبعيدا عن الظهور الشرفي للفنان لطفي لبيب، من باب التكريم لمشواره الفني، لم يتم إعطاء أية حيثية لبقية طاقم العمل، ولم ترسم أدوارهم بصورة واضحة، ومن ثَم لم يظهر لهم أداء ببصمة ما.

يبدأ الأمر من غادة عادل، التي لم يكن لها أي دور أو شخصية، بملامح يمكن من خلالها ترك أثر في الجمهور، رغم أنها بطلة العمل كما يُفترض، بحكم أنها زوجة مرعي.

أما بقية طاقم العمل فيُثير التساؤلات حول معايير اختياره (الكاستنغ)، إذ بدا الأمر وكأن أصدقاءً اجتمعوا سويا للتسلية بشيء ما، فصوّروا فيلما كيفما اتفق، وهو ما أكده فيما بعد تصريح لهنيدي نفسه، عن أن الفيلم “جمعه بعشرة عمره”.

على سبيل المثال، لا دور في الفيلم للممثلة إنجي علي، التي ربما كان المبرر الوحيد لوجودها أنها صديقة غادة عادل، وهو ما يمكن تطبيقه على علاء مرسي، صديق هنيدي. ربما كان الوحيد، الذي حاول تقديم شيء ما، هو الفنان محمد محمود، ولكن في حدود المكتوب له على الورق، والذي لم يخدمه كثيرا.

لهذا، وبعيدا عن الموسيقى التصويرية، التي كانت جيدة؛ والتصوير الجيد أيضا، رغم ما شابه أحيانا من سرعة مربكة في بعض المشاهد،  فخلاصة القول إن “مرعي البريمو”، الذي كان من المفترض أن يكون مُصالحة  هنيدي مع جمهوره، كان عملا خاويا من كل ما يُعرّف الفن السينمائي، ربما جاء نتيجة حماسة من الفنان لتقديم عمل جديد له، ولكن بدون أي اجتهاد، أو تفكير بما تغيّر في الزمن والناس.

وقد لا تقتصر المشكلة على عجز هنيدي، وكثير من أبناء جيله، عن الاجتهاد والتجديد، بل ربما في منطق جانب من الفن المصري المعاصر، الذي يصرّ على البقاء في “منطقة الراحة” الخاصة به، باعتبارها الأكثر اتفاقا مع ما يعتبر “القيم”. لم تعد “السينما النظيفة” قادرة على إضحاك أحد، وذلك لأنها لم تعد تعيش في زمن يمكن فيه تأسيس الكوميديا على أذواق فئة محدودة من المشاهدين، تظنّ أن العالم صالة عرض معقّمة، يجب أن لا تعرض إلا ما هو مناسب لأفكارها وأنماط حياتها.    

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
3 8 أصوات
تقييم المقالة
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات