نقد “الوعي النفسي”: لماذا يجب تسييس الاكتئاب؟

نقد “الوعي النفسي”: لماذا يجب تسييس الاكتئاب؟

تُقدّر مُنظمة الصحة العالمية أن الاكتئاب أحد أهم أسباب الإعاقة وضعف الإنتاج بين الشباب مؤخرا، بينما اعتُبر الانتحار المُساهم الرابع في الوفاة المُبكرة للشباب، ما بين سن 15 إلى 29 عاما. وبشكلٍ عام يموت أصحاب الاضطرابات النفسية القوية أبكر بما يُقارب العشرين عاما من أقرانهم، وتُقدّر الجمعية الأميركية للطب النفسي أن واحدا من كل خمسة أشخاص يُصاب بمرض نفسي في الولايات المُتحدة، وأن واحدا من كل اثني عشر شخصا يصاب بمرض نفسي قابل للتشخيص. ومن ناحية نوع الأمراض النفسية المنتشرة، فقد اعتُبر القلق anxiety أشهر الأمراض النفسية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى أن جاء الاكتئاب depression لينتزع منه الصدارة، لدرجة أن القرن الحادي والعشرين وصف بـ”قرن الاكتئاب”.

ترافق التزايد العام في مُعدلات الإصابة بالأمراض النفسية مع فكرة مركزية مُسيطرة وهي “المسؤولية الشخصية” عن المرض، فالخطاب المركزي في جميع مدارس العلاج النفسي، التحليلي أو السلوكي، يتجه بالأساس إلى تحديد مكمن الخلل في الخبرات السابقة للمريض، واعتبارها نقطة الانطلاق الأولى للعلاج، إما بهدف تغيير النظرة إليها، أو لتوطين تخيّلات جديدة، أكثر سعادة وتصالحا مع الذات عند المريض، ليُصبح الموقف الشائع للعلاج النفسي مُوجّها بالأساس للأفراد، على مستويات معزولة عن السياق الأكبر، السياسي والثقافي والاجتماعي.

أما على مستوى التعاملات اليومية بين الأفراد، فقد بات من الشائع استسهال وصف الآخرين بكافة أنواع المرض النفسي، واستخدام مُصطلحات مرضيّة لتحليل سلوكهم، مثل الاكتئاب والقلق والسوداوية والنرجسية وثنائية القطب، لدرجة أن المرض النفسي بات أشبه بوصمة عار، وأسلوبا للتصنيف والنبذ الاجتماعي. كثيرٌ من رواد مواقع التواصل الاجتماعي باتوا يشاركون تعليمات ووصفات جاهزة، لتحذير متابعيهم من التعامل أو الارتباط بـ”الشخصيات السامة”، أو من لا يلتزمون بالقواعد والتعليمات التي يعتبرونها “صحيّة”، ويمارسون سلوكيات غير مرغوبة من قِبل مجموعة ما هُنا أو هناك.

لقد بات المرض والاضطراب النفسي مسألة اجتماعية عامة، الكل يتدخّل بها، ويشخّصها، وينشر “الوعي” عنها، وفي الوقت نفسه تُعتبر دائما مشكلة فردية. ما يدفعنا لطرح عدد من الأسئلة: لماذا يفترض العلاج النفسي المعاصر أن الاكتئاب، وعلاجه، يبدأ وينتهي في الذات الفردية؟ وهل يُعتبر هذا “العلم” موضوعيا بالكامل، لا تتداخل فيه التحيّزات، والتأثُّر بالسياقات الاجتماعية والسياسية؟ وما هي خلفيات وسوابق النقد الذي وُجّه للعلاج النفسي  وممارساته خلال العقود القليلة الماضية؟

“التطوّع السحري”: لماذا حلّ الاكتئاب مكان الاغتراب؟

“مُنعزلاً، مُنقطعاً، مُحاطاً ببيئة عدائية، تشعر فجأة أنك بلا أيةً علاقات، لا استقرار، وبلا أي شيء يمكن أن تتمسك به، كي يُبقيك مُستقرا في مكانك، يُسيطر عليك خيالك المريض والمُثير للاشمئزاز، تعيش بخطر فقدان هويتك؛ وإحساسك بأنك مُحتال، فليس لديك حق في أن تكون هنا والآن، ساكنا هذا الجسد، ومُرتديا مثل تلك الملابس، أنت لا شيء، واللاشيء هو حرفيا ما تشعُر أنك على وشك أن تكونه”.

بتلك الكلمات يصف المفكر البريطاني مارك فيشر خبرته مع الاكتئاب، والتي أدخلته المصحة النفسية لفترة طويلة من حياته.

مارك فيشر

في مقاله المعنون “جيد لأجل لا شيء”، يحاول فيشر التفكير سياسيا في جذور المرض النفسي، الذي أورده المصحات والعيادات النفسية، لكنه بدلا من أن يعود بذاكرته ليتحدث عن صدمات الطفولة، يتجه الي مكان أخر: التليفزيون.

يقول: “أنا أتذكر جيدا، منذ سنوات مضت، مشاهدة برنامج “Deal or No Deal” لأول مرة. طريقة عمل البرنامج تتم عن طريق إلقاء كميات عشوائية من الأموال على أناس مختارين بعشوائية، ومع ذلك، يُصرّ البرنامج على تقديم رسالة عامة، مُناقضة تماما لطبيعته، مفادها، أن إجابة الأفراد، بمنتهى الحرية، بـ(نعم/ لا)، على الدخول في التجربة العشوائية لنيل المال، يمكنها أن تصنع كل الفرق”. ذلك البرنامج التليفزيوني يُقدم رسالة سياسية وثقافية بحتة، يعتبرها فيشر تكثيفا لأسباب المرض النفسي والاكتئاب في هذا القرن، إذا أنها تلعب على تناقض أساسي في الخطاب الموجّه للأفراد المعاصرين: بإمكانك أن تكون أي شيء، وفي الوقت نفسه تفرض الظروف المادية العشوائية كامل سيطرتها على حياتك واختياراتك.

يعود فيشر الي الطبيب النفسي البريطاني المعروف ديفيد سيميل، وكتابه “أصول التعاسة”، والذي يقدمُ به مفهوما نفسيا جديدا هو “التطوّع السحري” magical voluntarism، وتعريفه هو “الايمان بأن كل انسان يمكنه أن يحقق لنفسه ما يُريد”. إنها الأيدولوجية المُهيمنة، والديانة غير الرسمية للمجتمعات الرأسمالية المُتأخرة، والتي يعمل على تعميمها الساسة، واخصائيو التنمية البشرية، وبرامج المسابقات التليفزيونية، والإعلانات.

يعتبر فيشر أن أيدولوجيا “التطوع السحري” مزيج من نجاح النيوليبرالية ويأس ضحاياها، فالإيمان بحرية الأنا، وسُلطتها على الظرف المادي وممكناته، ينقلب إلى نقيضه عند فشل الانسان في تحقيق غايته، فالشيء الذي سعيت لأجله ولم يتحقق، لم تسع له بقدرٍ كافٍ.

يُعزز “التطوّع السحري” من الشعور العام باللاجدوى والعجز، ففي واقع تحكمه الصدف المادية، والثروات الموروثة، والفجوات الطبقية الهائلة، تتباعد الأسباب البنيوية للفشل والنجاح، إذ تصبح السعادة متاحة دائما للبعض، وحلما للأغلبية. من يبدأ حياته بتقاضي الحد الأدنى للأجور، لن يُمكنه منافسة سليل عائلة مُتحكّمة في تجارة وسلسلة استثمارات، مهما كانت كفاءته ومستوى ذكائه وجهده.

وأمام تلك الأيديولوجيا، التي تتلاعب ببنيتنا النفسية، لا يجد مارك فيشر أية جدوى في التعامل مع المرض النفسي، إلا عن طريق تسييسه، أي نسبته لظروف اجتماعية وسياسية أكبر من مستوى الصوت الداخلي، الذي ينذرك بالفقر والفشل والعجز عن الوصول لحلمك، الذي لم تجتهد لأجله بما يكفي. ليقارن بين الاكتئاب اليوم، بوصفه مرض العصر، وبين الاغتراب الذي سيطر على الفكر الإنساني خلال ذروة الثورة الصناعية، وتبلور في الطرح الهيغلي/الماركسي.

يرى فيشر في المرض النفسي، وخصوصا الاكتئاب، ومكانته اليوم، بديلا معاصرا لشعور “الاغتراب” alienation، بما يتضمّنه من إحساس بالعجز والدونية وعدم الجدوى. وهو أكثر  مُلائمةً في عصرنا من مفهوم “الاغتراب”، لوصف مشاعرنا، الناتجة من وضعنا الاجتماعي والطبقي. لأن الحديث عن الاغتراب ارتبط غالبا بأيديولوجيات سياسية، تسعى لتثوير فئات عديدة من المجتمع، فيما يبدو الاكتئاب تعبيرا عن ذات فردية، لا تجد لها نصيرا في هذا العالم. مؤكدا: “التطوعيّة السحرية هي السبب والنتيجة معا، للحالة التاريخية للوعي الطبقي المُتدنّي”.

النقد الذي قدمه مارك فيشر، وقبله ديفيد سيميل، للمرض النفسي وأسبابه الاجتماعية والسياسية، لا يقتصر على التأملات النظرية أو النقد الأدبي، لكن تدعمه دراسات كبيرة وموسعة، ومنها دراسة استمرت منذ بداية التسعينات حتى عام 2018، وشارك بها عشرات من الباحثين والأطباء النفسيين، ونشرتها جامعة كامبريدج، بعنوان “الفقر، اللامساواة الاجتماعية والمرض النفسي”، وتخلص الدراسة إلى أن الإحصاءات تُشير الي وجود علاقة عكسية بين المرض النفسي والطبقة الاجتماعية، أي أن الاضطرابات النفسية تظهر باستمرار بين الأفراد الأدنى في السُلّم الاجتماعي، ففي إحصائية لعام 1995، نشرها مركز التعبئة والاحصاء الأميركي، تبيّن أن شيوع الاضطرابات النفسية والعُصابية والذُهانية، وحتى إدمان المُخدرات والكحول، يرجع غالبا إلى الوضع الطبقي والموقف من العمل، إذ تزيد نسبة الاضطرابات بين العاطلين عن العمل، وتزيد احتمالية ادمان للمخدرات لديهم بمقدار أربعة اضعاف، كما تزيد أعراض الرُهاب والعُصاب بمقدار ثلاثة اضعاف، أما أعراض الاكتئاب فتزيد بمقدار الضعف.

وتُشير الورقة البحثية إلى أن تزايُد مُعدلات اللامساواة والفوارق الاجتماعية وبيئة العمل السامة والوضع الاجتماعي غير الآمن، تُساهم كلها في إنتاج الاضطرابات النفسية، مثل السكيزوفرينيا (اضطراب انفصام الشخصية)، إذ تتسبّب مجموعة من الأفكار الاجتماعية عن الواقع في إعاقة الفرد عن التصرّف عند مواجهته لظروف ضاغطة. وتتوسّع الورقة في دراسة كل مرض نفسي مُعاصر، والظروف الاجتماعية المُحفزة له.

يبدو هذا أعقد من تحفيزنا الدائم على تذكّر “تجارب الطفولة”.

من النقد إلى العقاقير: هل الطب النفسي علم زائف؟

النقد المُعاصر لتشخيص المرض النفسي، وطرق علاجه، يعود بجذوره للنقد الذي وجّه للطب النفسي عموما، ومحاولة تفنيد محتواه “العلمي”. ومن أبرز محطات ذلك النقد “حركة معاداة الطب النفسي” في النصف الثاني من القرن العشرين، والتي أفتُتحت بنُشر كتاب “أسطورة المرض النفسي” للباحث السايكولوجي الأميركي توماس زاز، والذي حاول فيه البحث عن حقيقة المرض النفسي، ونقد مجال علاجه من جانب أخلاقي، وآخر أبستمولوجي. “يُعرّف الطب النفسي عادةً بوصفه اختصاصا طبيّا، يُعنى بتشخيص الأمراض العقلية وعلاجها. أما أنا فأؤكد أن هذا التعريف، الذي مازال قائما ومقبولا بصورة كبيرة اليوم، يُلحق الطب النفسي بمبحثي الخيمياء والتنجيم، أي أنه علمٌ زائف، والسبب واضح وجلي، اذ لا وجود لما يمكن أن يُسمى مرضا نفسيا”، يقول زاز.

توماس زاز

كرّس توماس زاز حياته العملية كلها للدفاع عن نظرية بُطلان أسطورة المرض النفسي، فهو يعتبر أن الطب النفسي إساءة فهم لمدلولات المُصطلحات السايكولوجية، المستخدمة لوصف اضرابات اجتماعية، وهذه الإساءة تتم بوساطة ذاتية (ذاتية المُعالج النفسي).

يخبرنا زاز أن الفلسفة العلمية التجريبية، التي ميّزت القرن التاسع عشر، قد تسللت من العلوم الطبية الي العلوم النفسية، لتبرّر نظريات المُعالجين النفسيين، غير المدعومة بالأدلة التجريبية، حتى تُعطيها الموثوقية العلمية، فالطب النفسي لا يتحدث عن وحدات مادية فيزيائية، مثل الطب العضوي، وإنما توصيفات تم الاصطلاح عليها من جانب عدد قليل من المُتخصّصين، ينازعهم فيها مُتخصصون أخرون، أي أنها لا تعدوا أن تكون مُجرد تخرُّصات (Speculations)، بل وفي حالة تشخيص المريض بخلل في الدماغ، يُحوّل من الطبيب النفسي الي طبيب الأعصاب والدماغ، للتدخّل العضوي، إذن ما الصفة العلمية للطب النفسي؟

يُضيف زاز أن الطب النفسي، عبر تاريخه، لم يتحدث فقط عن “أمراض” ثبت أنها مجرد وهم، مثل الهيستريا أو الاسكيزوفرينيا أو “الشذوذ الجنسي”، لكنّه أيضا كان أداة في يد السُلطة السياسية والمُجتمع لمُعاقبة غير المرغوب فيهم، والأكثر إثارة للمُشكلات الاجتماعية، بل وحتى المُتمرّدين من الطبقات الأدنى، فلطالما كانت المصحات النفسية المكان المُناسب للخلاص من “أعداء المُجتمع”، ممن لم يخرقوا القانون، أو يتعرضوا للمعاقبة من النظام القضائي، ولطالما مارس الأطباء والمُعالجون النفسيون وظيفة ضُبّاط الشرطة، في اخراس الخارجين على النظام الاجتماعي، بحجة أنهم خطر على انفسهم وعلى الأخرين؛ وكذلك ادعاء تقديم المُساعدة لهم، حتى بدون رغبتهم، على عكس الطب الحقيقي.

النقد الأخلاقي والعلمي، الذي بدأه زاز، تحوّل الي حركة ثقافية، يقودها أطباء نفسيون ونقّاد ثقافيون ومفكّرون كبار، وجاءت في لحظة مفصلية في تاريخ المرض والعلاج النفسي، تحوّلت فيها مدارس التحليل النفسي المختلفة إلى مجرد صرعات إنشائية بين عدد كبير من المدارس المتصارعة، وفي أميركا كانت جلسات العلاج بالكهرباء وصدمات الأنسولين ما تزال مُستعملة لـ”علاج” المرضى، والمصحّات النفسية تعجّ بالناس، الذين يعيشون في ظروف سيئة ومُستعصية على العلاج. لكن حركة “معاداة الطب النفسي”، التي بدت واعدة في إعادة تثقيف المرضى النفسيين بطبيعة حالتهم، وحقيقة مؤسسات العلاج، لم تلبث أن مُنيت بهزيمة ساحقة، مع تقدّم النسق العلموي في العلاج النفسي، وثورة العقاقير الطبية، وشيوع الروح الأداتية في علم النفس، مع ميلاد الأيديولوجيا النيوليبرالية في السبعينيات.

أخذ الطب النفسي في الاتجاه صوب العلاج الكيميائي، عن طريق تطوير مُركبات علاج الاكتئاب والذُهان والهوس، مثل “كلوربرومازين”، واسمه التجاري “لارغاكتيل”، ومع الوقت أخذت العقاقير النفسية في الانتشار. واعتبر كثيرون أنها حققت نجاحات في مُساعدة المرضى بالعودة إلى “حياتهم الطبيعية”.

وفي الستينات من القرن الماضي انتشرت المُهدئات النفسية، مثل “فاليوم”، لدرجة أن واحدة من كل خمس سيدات في الولايات المُتحدة، كانت تستخدم هذا المهدئ، وفي عام 1987 انتشر “البروزاك”، نجم العقاقير المضادة للاكتئاب حتى اليوم، والذي يعمل على رفع مستوى هرمون “السيراتونين” في المخ، ويحقق شعورا بالرضا والأمان المؤقّت، والذي تناوله ما يزيد عن ثمانية ملايين شخص، خلال خمسة سنوات من طرحه في الأسواق.

النصر الذي حققته الأدوية والعلاجات الكيميائية في نهايات القرن العشرين، اعطى موثوقية غير مسبوقة للطب النفسي، فمُنذ تسعينات القرن الماضي دأب السياسيون، أمثال الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، وكبار المُعالجين والأطباء النفسيين، على التأكيد أن المرض العقلي لا يختلف عن أمراض القلب والسُكر، وأنه بالتأكيد يُمكن علاجه. وصرّح الطبيب النفسي الإنجليزي ويليام سيرغانت أنه “بحلول عام 2000، سوف تقضي العقاقير على المرض النفسي”.

إلا أن المرض النفسي ازداد بشدة بعد عام 2000، وصار “ثقافة شعبية”.

بحثاً عن أمل: نحو علاج سياسي للمرض النفسي

الأمل والثقة في القضاء على المرض النفسي، التي أدت إليهما الأدوية النفسية في تسعينيات القرن الماضي، أخذا في التراجع تدريجيا، فالعلاجات الكيميائية كانت تُعالج أعراضا لمُشكلات لا يفهم حقيقتها أحد، بل وتُسبب أثارا جانبية مُضرّة للغاية، قد تصل الي الانتحار. ومع بداية القرن الحادي والعشرين تزايدت نسب المرضى النفسيين بمعدلات هائلة. وهنا يتساءل كثيرون: أين المفر؟ كيف يمكن أن يكون العلاج؟

يقترح مارك فيشر أن العلاج لن يكون إلا جماعيا، وهو التحدي الأبرز اليوم، فالنيوليبرالية تعمل بكفاءة على اجتثاث كل التجمّعات البشرية، التي ورثناها منذ الثورة الصناعية، مثل الأحزاب والنقابات والنوادي ومؤسسات الرعاية، التي كانت كلها وسائط ناجعة للحفاظ على الوعي الاجتماعي في حالة انتباه وفعالية، وتخفيف شعور الفرد بالوحدة وعدم الاستقرار. ما نُريده اليوم، بحسب فيشر، هو إعادة بناء تلك المؤسسات من خلال ممارسة سياسية غير رمزية، وإنما عملية وواقعية. انها مهمة جماعية بطيئة، للنضال ضد أيديولوجيا الاكتئاب المعاصر، فالرأسمالية المتأخرة لم تفُز من خلال النقاء الأيديولوجي، لكنها نجحت من خلال البرجماتية، وقدرتها على بناء تجمعات غير مُتجانسة، يلهث جميع عناصرها وراء مصالحهم لضيقة، وبلا أي أمل.

يُخبرنا ديفيد سيميل، في مقدمة كتابه “كيف تنجو بدون علاج نفسي”، أنه لا يمتلك أي حل للمُساعدة ذاتية؛ لأن كل “الحلول” بالأساس ادعاء كاذب، فلا يُمكن لأي مريض أن يُعالج نفسه بالقوة الذاتية، أو بالرغبة في العلاج فقط، لأن كثيرا مما يسبب الاضطراب العقلي هو الافتقار إلى القوة والموارد، وهي عناصر خارج سيطرة المريض.

ديفيد سيميل

إلا أن هنالك إمكانية للسعي لمعالجة ذات منظور اجتماعي، فالنجاة بدون الحاجة للعلاج النفسي تعني إعادة النظر وتقدير عديد من الأشياء والعوامل: أولا، الطبيعة المحدودة للمساعدة العلاجية، مع توضيح أسباب ذلك للمريض، ودعمه ومساعدته على فهم الأسباب الفعلية لمحنته، وهي أسباب موجودة في المجتمع، وليس في ذاته الفردية، وكذلك تشجيعه على استخدام الموارد والإمكانيات التي يمتلكها، بدون إعطائه أملا سحريا في العلاج، الذي لا يمكنه أن يغيّر الأسباب الجذرية البعيدة للمرض النفسي؛ ثانيا، الحلول الاجتماعية والسياسية فقط هي التي يمكن أن تعالج بعضا من أقوى الامراض النفسية، ومن تلك الحلول مواجهة مشاكل الإسكان وارتفاع الايجارات وضعف الرعاية الصحية والفقر.

أراد سيميل أن يُقدّم إجابة مُعاكسة تماما لمجمل إجابات تيار التحليل النفسي، الذي احتل صدارة العلاج النفسي على امتداد القرن الحالي والسابق. ربما عندما يتضامن البشر، للمطالبة بحقوقهم بشكل جماعي، سينالون من الصحة النفسية ما لا يمكن لأي عقار أو “ثيرابست” منحه، عبر تعاويذ متعلقة بذات معزولة، تتحمّل لوحدها كل عبء هذا العالم.

المراجع:

1_The Occupied Times – Good For Nothing

2_Mark Fisher, Capital Realism: is there no alternative? First published by O Books 2009

3_David Smail, The Origins of Unhappiness: a new understanding of personal distress, published 2018 by Routledge

4_David Smail, How To Survive Without Psychotherapy, Published 2018 by Routledge

5_ Psychiatry.org – Words Matter: Reporting on Mental Health Conditions

6_ How an Age of Anxiety Became an Age of Depression – PMC (nih.gov)

7_ Poverty, social inequality and mental health | Advances in Psychiatric Treatment | Cambridge Core

8_ Thomas S.Szasz, The Myth of Mental Illness, Foundations of a Theory of Personal Conduct, First Harper paperback 1974 9_The President’s Radio Address | The American Presidency Project (ucsb.edu)

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.