النزاع المغربي-الجزائري: كيف تبدو الوطنية والقومية في عصر “السوشال ميديا”؟

النزاع المغربي-الجزائري: كيف تبدو الوطنية والقومية في عصر “السوشال ميديا”؟

خرج النزاع المغربي الجزائري من دائرة السياسة التقليدية، ليدخل المجال الافتراضي، حيث تحوّل من خطب السياسيين والدبلوماسيين، والفعاليات السياسية في البلدين، إلى “ريلز” و”ميمز”، هدفها الأساسي السخرية من البلد الآخر، واستفزاز مواطنيه، من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي. تطال السخرية كل شيء: الثقافة، والعادات والتقاليد، والتاريخ القريب والبعيد، واللغة واللهجة، والسياسة الداخلية والخارجية، ومستوى الحياة، ونظام الحكم.

 أحد أبرز الأمثلة عن ذلك الصراع الافتراضي المباريات الرياضية، التي تجمع منتخبات البلدين، خاصة في كرة القدم، إذ تسبق هذه المباريات وتعقبها حملات من الشحن، والتوعّد بالانتصار المبين واذلال الفريق الآخر، والشماتة بهزيمته في كل الحالات. ومن بين الميمز والريلز، المألوفة بين مشجعي الفرق المتنافسة في كل العالم، تبرز في الحالة المغربية-الجزائرية اتهامات قاسية، تتعلّق بمحور أساسي، وهو “السرقة الثقافية”، فكل ما هو جزائري مسروق من المغرب، ولا وجود لكيان تاريخي اسمه الجزائر أصلا؛ وبالمقابل ما يظنه كثيرون مغربيا، ليس إلا استيلاءً على التراث الجزائري الأصيل. هذا ما تخبرنا به “التريندات” الكثيرة، التي تنطلق في كل مناسبة.  

قد تبدو هذه الحروب الافتراضية، ذات البعد الثقافي و”الوطني”، غريبة للمراقب الخارجي، الذي لا ينتمي لأي من البلدين، ولا يستطيع التمييز بسهولة بينهما، ليكتشف أن “الخلاف” بين الشعبين، اللذين كان يظنهما توأمين، أكبر بكثير مما يتخيّل.

من المعروف طبعا تاريخ النزاع السياسي بين المغرب والجزائر، والذي تعود جذوره إلى ما بعد استقلال الجزائر سنة 1962، حين وقع خلاف حدودي بين البلدين حول منطقتي تندوف وبشار، ما أدى إلى اندلاع مواجهات عسكرية بينهما، عُرفت بـ”حرب الرمال”. ثم تصاعدت الخلافات فيما بعد، بسبب مساندة الجزائر لجبهة البوليساريو، وهي منظّمة مسلّحة تطالب باستقلال الصحراء الغربية، الخاضعة للنفوذ المغربي اليوم. وكانت سنة 1975 منطلقا لتصعيد التوتر، مع إقدام الجزائر على طرد آلاف المغاربة المقيمين فيها، بعد مرور شهر على تنظيم “المسيرة الخضراء”، وهي مسيرة شعبية نظمها المغرب لـ”تحرير” أقاليمه الجنوبية. بعدها ستتوالى الأحداث، وصولا إلى إغلاق المغرب لحدوده مع الجزائر سنة 1994. ومن بعد شد وجذب طويل، ستعلن الجزائر قطع علاقاتها مع المغرب سنة 2021.

إلا أن هذا التاريخ المعقد لا يبرّر كل ذلك العداء بين مستخدمي مواقع التواصل من البلدين، فالقول بإن المغاربة والجزائريين أخوة، رغم كل الخلافات، ليس مجرد بلاغة، بل واقع فعلي، تحكمه ظروف وعوامل أعمق بكثير من النزاعات الحدودية والتوجهات السياسية للحكومات. فضلا عن أن تحوّل التقلّبات السياسية إلى حملات كراهية بهذا الاتساع أمر غير مفهوم، خاصة أن هذه الحملات استطاعت فعلا خلق نوع من العداء والحقد بين أبناء البلدين.

هل يمكن تفسير كل ذلك بنزعة وطنية مستجدّة عند المغاربة والجزائريين، سمحت بظهورها وسائل التواصل الاجتماعي؟ وهل يجب التخوّف من تطور الوطنية المتطرّفة في بلدان المغرب الكبير؟ أم أن مفهوم “الوطنية” نفسه، سواء كانت معتدلة أو متطرفة، سيقف عاجزا أمام كل هذه العواصف الافتراضية غير المفهومة؟

قومية وطائفية: بماذا يختلف المغاربة عن الجزائريين؟

كانت للحروب ذات البعد “القومي” بين الأشقاء مخلّفات مريرة، وليس أدل على ذلك سوى الحروب التي رافقت انهيار يوغسلافيا السابقة، منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، فبعد أن كان الجميع ينظرون إلى سكان تلك المنطقة بوصفهم يوغسلافيين، اكتشفوا أنهم صرب، وكروات، ومقدونيين، وبوسنيين، الخ؛ وأن الحساسيات العرقية الدموية، التي ظن معظم الناس أنها انتهت إلى الأبد، قد عادت من جديد. هل يمكن تطبيق هذا المثال على الحالة المغربية-الجزائرية؟

ما يميّز الحروب القومية وجود جماعات تعرّف نفسها بوصفها طائفة أو عرقا، وتعتقد أن لها خصائص تفوق الجماعة الموجودة في الطرف الأخر، والعكس صحيح، ليؤدي ذلك “الاعتقاد” لمجازر دموية في النهاية. ويمكن القول إن كل تلك الظواهر، من قومية وعرقية وطائفية، مرتبطة بالصراع على جهاز الدولة والحيّز العام والحدود السياديّة، أي أنها من ظواهر تشكّل الدول والسيادة الحديثة عموما، والتي تبرز غالبا بعد انهيار الامبراطوريات القديمة، أو اختلال التوازنات والبنى السياسية في دولة حديثة ما، ما يؤدي إلى ظهور حركات متعددة، تعرّف نفسها بالانتساب لجماعة عضوية، وتسعى لاقتناص السيادة.   

في الواقع يصعب رصد وجود ذلك النوع من الجماعات في الحالة المغربية-الجزائرية، فرغم كل البعد “الثقافي” للصراع الافتراضي، لا يوجد ادعاء جدّي، لدى أي طرف، باختلاف عرقي أو طائفي أو قومي بين أبناء البلدين.

التحرر الوطني: هل ورثنا خطايا الاستعمار؟

ربما كانت “القومية” غير صالحة للتفسير، وهنا قد يمكننا الاستعانة بمفهوم آخر، هو ”الوطنية”، والتي تُعرّف على أنها “صفة أخلاقية مرتبطة بحب الوطن والدفاع عنه”. وبعيدا عن هذا التعريف السطحي، فإن السجالات حول  مفهوم “الوطنية”، والقضايا المرتبطة به، مستمرة منذ أكثر من قرن من الزمن، ومنذ انهيار الامبراطوريات الكبرى بعد الحرب العالمية الأولى. ومن أشهر السجالات ما دار بين المفكرة الماركسية روزا لوكسمبورغ والقائد الشيوعي فلاديمير لينين حول “القضية الوطنية البولندية”. فقد كانت روزا لوكسمبرغ ترى أن شعار “الاستقلال الوطني” في ظل الرأسمالية لا قيمة تقدميّة له، ولا يمكن تحقيقه عبر قوى داخلية في بولندا، بل عبر تدخّل قوّة إمبريالية أو أكثر. بل أن لوكسمبورغ حاججت أنه لن يكون هناك مكان لشعار الاستقلال الوطني في الحركة العمالية، كما أن “الوطنية”، والقمع المرتبط بها، لن تستمر في ظل الوحدة الأممية والإنسانية. وهكذا لن يمكن تحقيق الاستقلال الحقيقي لبولندا في عصر الرأسمالية.

في حين كان لينين يرى أن اختلاف مواقف الأمم المقموعة والقامعة، وسعي الشعوب المضطهدة للتحرر، سيؤدي إلى صراع ذي توجّه تقدّمي في قلب الرأسمالية، ولذلك فقد تمسّك بشعار “حق الأمم في تقرير مصيرها”، واعتبره سياسية رسمية لدولته السوفيتية الوليدة فيما بعد. ورغم تعارض المواقف بين لوكسمبورغ ولينين، فهما يلتقيان بالنهاية في النقطة نفسها، أي ضرورة تحقيق الوحدة الأممية للعمّال، كما أن لينين أخضع مسألة تقرير المصير إلى تطور الصراع الطبقي.

وبتأثير مثل هذه السجالات، ونتيجة للدعم الكبير الذي قدمه الاتحاد السوفييتي للشعوب التي أرادت التحرر من الاستعمار، نشأة حركات “تحرر وطني” قوية حول العالم، استطاعت تحقيق الاستقلال، وربما كان من أقوى وأشهر تلك الحركات “جبهة التحرير الوطني الجزائرية”، التي أطلقت واحدة من أهم ثورات التحرر الوطني على المستوى العالمي.

فهل يمكن القول إن الوطنية، الموروثة من عهد التحرر الوطني، هي ما يحفّز العداء بين مستخدمي مواقع التواصل في المغرب الكبير؟

عصر “الخصوصية”: ماذا تبقّى من الوطنية والقومية اليوم؟

”نحن نعيش عصر القومية والوطنية بامتياز”، جملة ربما سمعها القارئ في أكثر من مكان، ودليل أصحاب الجملة على طرحهم هو التغيرات التي شهدها خارطة العلاقات الدولية في السنين الأخيرة، بدايةً من المشاكل داخل بعض التكتلات الدولية الكبرى، مثل الاتحاد الأوروبي، الذي خرجت منه بريطانيا بعد رفع شعارات من قبيل ”الخصوصية البريطانية”؛ وصولا إلى الحرب المستعرة اليوم بين روسيا وأوكرانيا، وخطابات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، التي يشدد من خلالها على ”البعد الوطني لروسيا في مواجهة الغرب”.

وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع التوصيف الوارد في الجملة، فإن ما يقدّم اليوم، بوصفه خطابا وطنيا أو قوميا، يبدي سمات مختلفة عما كان سائدا في القرنين الماضيين، إذ لا تظهر “أمم” حديثة، تريد استقلالها وحقّها في تقرير المصير، بقدر ما نجد أمما عتيقة، تحاول الحفاظ على “خصوصيتها” ضمن إطار العولمة الحالية. ربما يؤدي كل هذا إلى تفكيك هياكل العولمة التي نعرفها، ولكن ليس لحساب “تحرّر وطني”، بل لحساب ما يشبه نوعا من الإقليمية الجديدة، التي تسيطر فيها دول قوية على محيطها الجيوستراتيجي، أو تسعى لذلك على الأقل.

علينا إذن أن نقيس النزاع المغربي الجزائري بمسطرة “الوطنية” الجديدة.

وطنيو السوشال ميديا: كيف تصنع “المميز” لأجل الوطن

الغريب في قضية “العداء” بين المغرب والجزائر أن مواقف السياسيين في البلدين أقرب إلى الاتزان والتعقّل، مما يبديه مستخدمو مواقع التواصل من تعبيرات. هنا تبرز المفارقة الأولى، وهي أنه على عكس الشعور الوطني والقومي في السابق، والذي كان يولد أساسا من رحم أحزاب وطنية، فإن “الشعور الوطني” في حالتنا هو وليد “أنفولونسرز”، من أصحاب قنوات يوتيوب وتيك توك، وصفحات أنستغرام وفيس بوك.

وهذا يقودنا للمفارقة الثانية، وهي أن ”وطنية السوشال ميديا” هذه يصعب تحديد المرجعية الأيديولوجية التي تقودها، فإذا كان المرشح اليميني إريك زيمور في فرنسا مثلا، ينادي بفرنسا ”يهودية-مسيحية”، بوصف ذلك تعبيرا عن “الأصل الفرنسي”، فمن الصعب أن تجد لدى الطرف الجزائري مثلا، في حرب “الميديا الجديدة” هذه، أشكالا تدل على وطنية وقومية جزائرية بالمعنى الكلاسيكي، من قبيل ارتباط الجزائر بحركات التحرر الوطني، أو “الإرث الاشتراكي الوطني للبلاد”؛ وبالنسبة للطرف المغربي فمن الصعب أن تجد كذلك أشكالا فكرية، تعبّر عن “الإرث الإمبراطوري للمملكة”، وتاريخها الدال عن “هوية وطنية قومية مغربية مستقلة عبر التاريخ”. لا يوجد إلا علامات ورموز تعبّر عن الاستياء، غالبا ما تكون فلكلورية، مثل اللباس والطعام والغناء، وفي أحيان أخرى رياضية، مثل “الأمجاد الكروية” التي يحققها فريقا البلدين.  

نحن إذن أمام تعصّب قومي أو وطني بدون سياسة أو أيديولوجيا أو فكر أو حتى مصالح ومشاريع واضحة، مجرّد تجاذبات مرتبطة بآليات عمل وخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، التي تشجّع الاستهلاك السريع للمحتوى، وتصريف الانفعالات النفسية السلبية، والتمترس في قطبية حادة الانقسام.

ولذلك فيمكننا القول إن النزاع الجزائري المغربي على مواقع التواصل، وغيره من ”حروب السوشال ميديا الوطنية”، هي حروب فارغة من المحتوى الوطني أو القومي الفعلي، كما أنها حروب دون قادة سياسيين. تكتنفها مشاعر وطنية، قد تكون صادقة، لكنها ”انفعالية” بالأساس.

قد يشعر البعض بنوع من الاطمئنان من هذه النتيجة، فهكذا ”حروب افتراضية”، مهما بلغت من استقطاب حاد، لن تؤدي إلى حروب ومجازر واقعية، بل قد تضمحلّ مع نهاية ”التريند” المؤدي إلى نشوئها، إلا أنه من التسرّع القول إن صراعات مواقع التواصل مجرّد وهم، لأن المحتوى الفارغ، الانفعالي، السريع، المنفصل عن أي خطاب واضح، قد يؤدي إلى أسوأ أشكال الشعبوية، التي تساهم ببروز قوى أو شخصيات، تستغلّ “فائض الانفعالات” هذا في مغامرات سياسية خطيرة. دعك من أن التجهيل، الذي تسببه السوشال ميديا، يصبح شديد البشاعة، عندما يغدو قائما على تداول رموز ثقافية ووطنية، بكل سطحية واستخفاف. هل مصير الثقافة العريقة للمغرب والجزائر أن تتحوّل إلى علامات لافتة للانتباه، في “ميم” أو “ريل” مبتذل؟    

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.