التحرر الفردي: لماذا لا يشبه أغلبنا ستيف جوبز؟
يحمل مصطلح “التحرر” معانٍ كثيرة، وتختلف تأويلاته بشدة، فبعد أن كان مرتبطا بمشاريع التحرر الوطني في القرن العشرين، صار مدرجا في تصورات الأفراد وتطلعاتهم في القرن الحادي والعشرين، الذي برزت فيه كثير من الأحلام عن إمكانيات للتحرر الفردي، والاستقلال المادي، يسوّقها نجوم وقادة المجتمع الجدد.
في هذا السياق صدر الفيلم الشهير “ذئب وول ستريت”، منذ حوالي عشرة سنوات، استنادا إلى السيرة الذاتية لكاتبه جوردن بلفورت، سمسار الأسهم المالية، والذي يروي قصة صعود، بدأت بضربة حظ في منتصف عشريناته، ربح خلالها ألفي دولار، واتجه لتأسيس شركته الخاصة، التي زادت قيمة أسهمها على المليار دولار، فعاش حياة البذخ والرفاهية، والانغماس اللامتناهي في الملذات والرغبات الجنسية وإدمان المخدرات، ثم تعرّض للخسارة ودخل السجن. وبعد خروجه، أصدر كتابين، أصبحا من الكتب الأكثر مبيعا، روى فيهما تجاربه خلال مسيرته، فتحوّل إلى ما يشبه أيقونة في عالم الدعاية والتسويق، وبات متحدّثا مطلوبا دوما في المؤتمرات العامة.
أحدثت هذا النوع من الدعاية، المرتبطة بـ”قصص النجاح” و”قصص الصعود”، تحولا كبيرا على مستوى رؤية الأفراد لأنفسهم، وأيضا بعلاقتهم بالسوق، الذي لم تعد وظيفته مقتصرة على استيعاب المنتجات والبضائع فقط، بل أصبح بذاته عالمنا الجديد، حيّزنا الذي لا نستطيع مغادرته، وكل شيء فيه يُباع ويُشترى. فلم يعُد مهمًا ماذا نبيع، بل كيف نبيع. في أغلب مقابلات العمل، يُطلَب من كل متقدِّم للوظيفة أن يبيع أي شيء أمامه، قلم أو نظارة أو حقيبة، أو أيا كان. لقد أصبح هذا أشبه بممارسه طقسية في أغلب المقابلات.
وبعد الثورة الرقمية، أصبحنا نتعرّض على مواقع التواصل الاجتماعي لكمٍ هائل من الدعاية المنشورة أو المصوّرة، والتي تقدّم لنا نصائح وتوجيهات تحفيزية، بجانب سيل من التجارب الفردية والملهمة، التي تثير تفكيرك حول كيف يمكن أن تتحرر من وظيفتك الروتينية، وتصبح رائد أعمال؟ وكيف تجني أموالا بينما لا تملك شيئا؟
يعتبر نموذج ريادة الأعمال تتويجا لمسيرة طويلة من تعزيز وتكريس الفردانية، فالكل بات يظن أنه، عبر الاجتهاد، يمكن أن يصبح رائد أعمال، ويحقق حياةً أفضل وأكثر ثراء، بغض النظر عن الموقع الطبقي والظروف الاجتماعية. وأصبحت أسماء مثل: إيلون ماسك، ستيف جوبز، مارك زوكربيرج، بيل غيتس، ماركات عالمية، يتمّ تسويقها عالميا باعتبارها نماذج معيارية، وأيقونات للنجاح في عالم ريادة الأعمال. ولكن إذا كان الجميع يريد أن يصبح رائد أعمال، فمن أين سيأتي العمال والموظفون؟ ولماذا ما يزالون الأغلبية الساحقة في عالمنا؟ أو بحسب “الايفيه” الشهير للفنان المصري توفيق الدقن: “إذا كان كله فتوات، فمين اللي حيتضرب؟”
يطرح هذا بدوره كثيرا من الأسئلة: كيف خلقنا نسختنا الخاصة من “التحرر الفردي” ونموذج “رواد الأعمال”؟ أو بالأحرى كيف استوردناه؟ وما الشروط والتحولات الاجتماعية التي رافقت مسيرة الانتقال من مشروع وطني للتحرر إلى مشاريع فردية؟ وهل حققت هذه الدعوات نتائجها على صعيد تحرّر الأفراد وسعادتهم؟
منذ الخمسينات ومرورا بالستينات، ارتبط مفهوم “التحرر” بمشاريع التحرر الوطني، التي ادّعت معاداة الاستعمار، وتفكيك النخبة الإقطاعية المحلية، وإضعاف سيطرتها، ووضع برامج للإصلاح الزراعي، وإدخال التعليم والرعاية الصحية المجانيين، وضمان التوظيف بعد التخرج.
أتاحت هذه المشاريع لكثير من الأفراد الوصول إلى الخدمات الاجتماعية، بجانب ما أضفته على أذهانهم من تصورات ومعانٍ، رافقتهم في مسيرة التحوّل الاجتماعي، وقامت أساسا على ربط الترقي الفردي بمشروع “وطني” متكامل، يشارك به المجتمع بأكمله.
وبحلول السبعينات، خاصة في مصر، التي عرفت حينها عصر “الانفتاح”، اكتشف كثيرون، كما تخبرنا الروائية المصرية أروى صالح، في رواية ” المبتسرون”، أن العداء للاستعمار كان أصل كل الكوارث، وأعلنوا انتهاء عصر “الأحلام الكبرى”، وتدشين عهد “الواقعية”، حيث لا أحلام ولا هدف ولا موضوع للحياة سوى التملّك، مصدر الأمن والأمان، وجائزة السباق، الذي يخوضه أفراد شعب، لم يعد يجمعهم سوى صراع جهنمي من أجل البقاء.
لخّص الرئيس المصري أنور السادات آنذاك توجّه عصر “الانفتاح” الجديد بمقولة بالعامية المصرية: “اللى مش هيغتني في عهدي مش هيغتني بعد كده أبدا”.
التقطت الشركات والكيانات الأجنبية طرف الخيط، وانخرطت في إضعاف الشركات والكيانات الحكومية، وتهميش القطاعات الحيوية، التي أعتمد عليها الاقتصاد المصري، مثل الصناعة والزراعة، مع التركيز على الاستثمارات الجديدة في القطاعات الخدمية، مما أضعف عمال الصناعة، بجانب هجرة الفلاحين لأراضيهم، وشراءهم لتذكرة العمل في الخليج (1).
كانت دعوة السادات ملهمة جدا لكثيرين انغمسوا في جني الأموال، وبالفعل تبلورت طبقة جديدة،، أطلق عليها البعض اسم “القطط السمان”، أي رجال الأعمال الجدد. وتدريجيا تراجعت المكاسب الاجتماعية، الضعيفة أصلا، وولد عهد جديد، قائم على الفرد، وقدراته الخاصة على “تحرير” نفسه.
رافقت هذه التحولات تغيرات مماثلة، على مستوى النسق القيمي، إذ ساعدت الأجواء المستجدة على بروز قيم الفردية، كما ظهرت قوى ومؤسسات جديدة، مثل الشركات والبنوك الخاصة، كان لها دور في إحداث تغيرات على مستوى الطبقات الاجتماعية، بجانب ظهور مؤشرات للتميّز الاجتماعي، والإعلاء من قيم الانتهازية والوصولية ومهارات “الفهلوة”(2) والتي اعتبرت أخلاقيات ضرورية للنجاح والتحرر الفردي.
يتحدث الكاتب المصري محمد نعيم، في كتابه “تاريخ العصامية والجربعة”، عن مفارقة ربما تفيدنا في تلخيص مآلات واقع “الانفتاح”، فمن ناحية منحت قيم العدالة الاجتماعية والمساواة، التي تبناها مشروع الخمسينات والستينات، فرصا لإزالة الحواجز الفاصلة بين الطبقات، في ظل مجانية التعليم، فتطوّرت “العصامية”، بمعنى السعي المتواصل لتحسين الاوضاع المعيشية؛ ومن ناحية أخرى، وعلى النقيض تماما، تجسّدت “الجربعة” فيما بعد، بكونها علاقات اجتماعية سلطوية، تعبّر عن نفسها في سلوك وممارسات نفسية واجتماعية ،ساهمت في غرس قيم الرداءة والانحطاط والعدمية، فضلا عن المساهمة في تآكل قيم العصامية ذاتها، أو احتقارها.
أوقعت التحولات الجديدة المجتمع في تناقض فج، إذ عمّمت السلطة دعايتها بضرورة تحرير الاقتصاد، وبالتالي كان بروز الفردانية اتجاها ضروريا لتطوير الفرد والمجتمع، في ظل مفهوم السوق والعلاقات الجديدة؛ ومن ناحية أخرى صاحبت هذه الدعاية شروط تعايش هشّة للغاية، فقد تم تفكيك شبكات الحماية الاجتماعية، إضافة لإضعاف مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وإفقادها دورها الوظيفي، فتراجعت الأسرة الممتدة، ووظائفها الإنتاجية، لصالح الأسرة/النواة الصغيرة، ووظيفتها الاستهلاكية، كما عاصرنا تحجيما للمصالح المشتركة، التي كانت سائدة داخل الأسر، واحتلت مساحة كبيرة من حياة الأفراد سابقا، لصالح مفهوم جديد عن الاستقلال المادي والخصوصية والمساحات الشخصية الخاصة.
لم يتبق لأفراد الأجيال اللاحقة سوى حياتهم الخاصة، والتي تم إعادة تشكيلها وفق الوصفات الاستهلاكية، التي على أساسها جرى ترسيم العلاقات الاجتماعية وأنماط الشخصيات ومعايير النجاح والفشل، خاصة في مطلع الألفية، بعد التحوّل الذي أحدثه الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، والتي شاهدنا جميعا قدرتها على صناعة المُثل العليا الجديدة، التي تؤسس لاستعراض الذات، كما رسّخت قيما فكرية جديدة، مثل إدمان النجاح، “التفكير خارج الصندوق”، الجرأة والشجاعة، المبادرة التي تصل حد المخاطرة، الابتعاد عن الفاشلين وأصحاب الرؤى والتصرفات السلبية (negative attitude). كل شيء يعتمد عليك وعلى قراراتك، أنت من تجعل الأشياء تحدث، أنت استثنائي، وغيرها من الصفات الواجب توافرها في “الناجحين الجدد”.
وبعد أن كان “النجاح” يتطلّب مسيرة طويلة من العمل والنضال في إطار اجتماعي، من الممكن أن تستمر طيلة حياة الأفراد، وهم يتلمسون سبل عيشهم، حدثت تغيرات كبيرة في عالم اليوم، الذي تُطرح فيه دائما إمكانات جديدة، عن كيفية جني الأموال بلا عمل، أو التحصّل على راتب بدون مجهود يذكر.
وباسترجاع القصص والحكايات، التي عاصرناها في طفولتنا، وسيطرت على تطلعاتنا، نجد أن وظائف الأحلام، التي ألفناها وتطبّعت عبر الأجيال، مثل الطب أو الهندسة والطيران، تراجعت لحساب أحلام أخرى، كأن تكون صانع محتوى على اليوتيوب (يوتيوبر) أو مؤثّر (انفلونسر)، أو أي فرصة عمل من المنزل (work from home).
هناك من حالفه الحظ السعيد، وأصبح بمحض الصدفة مشهورا بكونه “أغنى شاب في مصر”(3)، ومن ساعدها وضعها الطبقي، وتحوّلت من “بلوجر” إلى سيدة أعمال مشهورة، تتهافت على استضافتها عديد من المنصات الإلكترونية والقنوات التليفزيونية، لتتحدث عن طموحها، وشغفها غير المحدود(4)، وهناك من بذل قدرا من المجهود على صعيد العمل الذهني، فعثر على فكرة تطبيق خدمي، ثم باع فكرته بملايين الدولارات، وأصبح أيقونة شبابية (5)، يتم تسويقها للاحتذاء بها في عالم ريادة الأعمال.
تتعدّد الأمثلة، التي أصبحت تمتلك مخزونا من الشهرة والثروة، ونالت الثراء السريع، ما منح عديدا من الحالمين بترك وظائفهم التقليدية، والتحرر من عالمهم القديم، أملا للدخول في عالم يجري تلميع تفاصيله الفارهة، حيث حياة مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي، المزدحمة بجدول مواعيد وسفريات وفنادق وسيارات، وغيرها من رفاهيات، لم تعد المسارات الاعتيادية للحياة قادرة على تلبيتها.
لا يؤدي هذا الشحن والتحفيز المستمر إلى نتائج حميدة دوما، إذ تكمن خطورة مثل هذه التصورات، عن الاستقلال الفردي والتحرر الزائف، بأنها لا تهتم إلا بالصورة النهائية لعدد قليل ممن حالفهم الحظ، بينما تخلّف وراءها كثيرا من ضحايا وعودها الزائفة.
يقع عديد من الناس تحت هالة من التأثير، تتم فيها مخاطبتهم بصفات مضخّمة عن أنفسهم وعن قدراتهم، يُحدث هذا في البداية اندفاعات هائلة، لشباب وفتيات في مقتبل أعمارهم، ثم يعقبه صدمات مؤلمة، بعد الفشل الذريع(6). ولا يؤتي ثماره، بقدر ما يُضلل آلافا من الشباب، من الذين يعمل على شحنهم وتحفيزهم، وبالنهاية تدميرهم ماديا ونفسيا، وذلك لسبب أساسي، وهو أن تلك الدعوات تعمل على تحييد وإسقاط الظروف والسياقات الطبقية والاجتماعية، وإلقاء كامل المسئولية على عاتق الأفراد، وقدراتهم واختياراتهم، التي دوما ما تنحصر بين السيئ والأسوأ. هذه المفارقة بين السيئ والأسوأ، لا تعمل إلا على إنتاج شخص مُحبَط ومضطرِب وخائف دوما، وتُشكِّك أي طامح أو حالم.
بالرجوع مرة أخرى للروائية أروى صالح، وما ترويه عن الجيل، الذي رافقت صعوده وتراجعه، والذي لم يستطع تجاوز خيبة أمله، إلا بالارتداد والانكفاء على وجهه، نجد أن خيبة الأمل ستتضاعف بالنسبة لأجيال ما بعد الربيع العربي، الذين تفتّحت أعينهم على وعود بعالم أكثر انفتاحا، وأحلام بالتحرر والاستقلال، ولم ينالوا فعليا أي شيء.
تتعدد الخسارات بالنسبة لكثير من الأفراد، وعلى كل المستويات، خسارة الوظائف والأموال والعلاقات الاجتماعية، لنصل بالنهاية إلى مشهد معتم، يعتمد على تسويق نماذج معيارية (standard) بلا أية ضمانات حقيقية، تنتج سيناريوهات حزينة ومأساوية، وتجعل حياة وأحلام الفرد رهن تهديدات ومخاطر عالية، تتأسس عليها قاعدة عامة من اللامساواة والظروف غير العادلة، والتفاوتات الطبقية الفجّة، التي تُغذِّي من ناحية حس التطلّع، والولع الدائم بالترقي الطبقي؛ ومن ناحية أخرى العجز وقلة الحيلة والخيبة. وهذا حال كثيرين، ممّن وقعوا ضحايا منطق، ينتج بالضبط عكس ما يعد به.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.