أغنيات الذكاء الاصطناعي: هل ستعيد الأصوات الآلية خلق الإبداع؟

أغنيات الذكاء الاصطناعي: هل ستعيد الأصوات الآلية خلق الإبداع؟

لم يمر كثير من الوقت على ظهور تطبيق chatgpt للذكاء الاصطناعي، حتى انفجر الجدل والنقاشات العميقة حول تعاظم دور الآلة في حياتنا، وكذلك الأمر فيما يتعلّق بتطبيقات تخليق الصور عبر النصوص. لكن التجلي الأكثر صدمة، فيما يخصّ الذكاء الاصطناعي، كان تقنيات استنساخ الأصوات في الغناء. توجد الآن قنوات على يوتيوب وتيك توك، يتلخّص نشاطها في تقديم الأغنيات الشهيرة بأصوات مختلفة: أغنيات فريدي ميركوري نسمعها بصوت مايكل جاكسون، وأغنيات سيلين ديون بصوت أديل، وأغنيات أنغام بصوت إليسا.

وسريعا، تحوّل الأمر من مجرد “لعبة”، إلى حالة تصنيعية جادة للأغنيات، أي منتجات جديدة بكلمات وألحان وتوزيعات أصلية، ولكن بأصوات مستعارة، ففي الأسابيع القليلة الماضية سمعنا أغنيات أصلية بأصوات أشهر المطربين، الذين لم يسجّلوا أصواتهم أبدا علي تلك الأغاني. التجربة العالمية الأبرز كانت أغنية Heart on My Sleeve، التي ألّفها ولحّنها ووزّعها شخص مغمور باسم مستعار ghostwriter، وطرحها على شبكة الإنترنت، باعتبارها دويتو رسميا بين Drake و The Weeknd. انتشرت الأغنية، وحققت ملايين الزيارات في البداية، بوصفها أغنية حقيقية، تجمع نجمين لديهما شعبية هائلة عالميا، ولم تكتف الأغنية باستنساخ صوت دريك فقط، وإنما امتد الاستنساخ لأسلوبها الموسيقي، فكان أسلوب الأغنية يشبه كثيرا أغانيها الحقيقية.  

https://www.youtube.com/watch?v=o4hFwofYldc

تدخّلت شركة “يونيفرسال”، واستخدمت نفوذها لمنع تداول تلك الأغنية على المنصات الشرعية، لأنها تنتحل هوية نجوم الشركة. لكن بعض المنصات سمحت بتداولها، بشرط إضافة كلمة AI بجانب اسم المطرب في العنوان. وحتى اللحظة، ثمة تخبّط وحيرة في حسم الموقف القانوني حول مثل تلك الأغاني، التي تقدّم مصّنفا فنيا أصليا، بعناصره الإبداعية التي يحميها القانون، ولكن بأداء مقلّد.

أصداء تلك التجربة انعكست بظلالها  على مصر، عبر أغنية “أفتكرلك إيه” للملحن المصري عمرو مصطفى، الذي طرح لحنه هذا بصوت أم كلثوم، معلنا تدشين مشروع كامل لإحياء البصمات الصوتية لأساطير الغناء العربي، عن طريق الذكاء الاصطناعي. وهكذا سيتغنّى المطربون الراحلون بألحان عمرو مصطفى. وقد وصل الصوت المستنسخ في الأغنية بالفعل لدرجة قريبة من التطابق مع صوت أم كلثوم.

الأغنية أثارت ضجة في الإعلام المصري، بين رافض، يعتبرها تشويها للرموز وسلبا لإرادتهم، وانتهاكا للثوابت والحقوق؛ وبين مرحّب، يراها تجربة مغايرة لإحياء التراث بشكل مبتكر وعصري. وعلى طريقة يونيفرسال، تدخّل المنتج محسن جابر، مؤسس شركة “مزيكا”، التي تملك حقوق أغنيات أم كلثوم، وأبدى اعتراضه على الأغنية الجديدة، وتطوّر الخلاف بينه وبين عمرو مصطفى لملاسنات حادة في برامج “التوك شو” المصرية، ثم دخل ورثة أم كلثوم على خط النزاع، لتتعقد الأمور أكثر. وفي النهاية رضخ مصطفى، وتراجع عن استخدام اسم وصورة أم كلثوم على مشاريعه  المتعلّقة بالذكاء الاصطناعي، متهما كل من عارضه بالتحجّر، والوقوف ضد التطوير والإبداع.

لكن المعلومة، التي قلبت الكفة ضد عمرو مصطفى، أن تلك الأغنية، التي ادعى إنها مشروعه الخاص بالذكاء الاصطناعي، وأنه لحّنها خصيصا لصوت أم كلثوم الاعتباري، هي أغنية قديمة من ألحانه، كانت قد صدرت منذ عام بصوت النجمة شيرين عبد الوهاب، بعنوان “ماضينا”، بالكلمات واللحن والتوزيع أنفسهم، لكنها لم تحقق أي نجاح أو انتشار يذكر.

ربما هذا ما دفع ملحنها لإعادة طرحها بصوت أم كلثوم، كي يلفت الانتباه الإعلامي. وفي اللحظة التي انكشفت فيها المعلومة، تحوّل عمرو مصطفى من “إيلون ماسك الموسيقى”، إلى مجرد فنان آخر خاصمه النجاح والإلهام، فلجأ لأسلوب صناعة التريند، ليروّج لنفسه ولأعماله المغمورة بخداع الإعلام، عن طريق التمحّك في نظريات تقنيّة حداثية، والحقيقة أنه كان “يلعب” مثل كل الصبية، الذين يلعبون بالتقنية نفسها على تيك توك. هل تقنية محاكاة الأصوات إذن مجرّد لعب؟ أما أنها بالفعل مدخل إلى ابداع غير مسبوق، قد يصل لدرجة إحياء المطربين الموتى، ولكن بسمات عصرنا وتطوّره التقني؟

بيغماليون الآلي: ما الجديد في استنساخ الأصوات؟

في مشهد آخر، يجلس عمرو مصطفى في الأستيديو الخاص به مع الإعلامي خيري رمضان، ويقوم بغناء “أفتكرلك إيه”، مع فرقة تعزف الموسيقى الشرقية، ثم يقطع مصطفى وصلته الغنائية ويطلب من الإعلامي أن يلاحظ أنه هنا لا يغني بأسلوبه هو، بل يحاول استدعاء أسلوب أم كلثوم في الغناء، أي “تقليدها”، ويضيف بأن تلك هي العيّنات الصوتية التي يعمل عليها الذكاء الاصطناعي، باختصار مطرب يقلّد مطربا آخر، وتساعده الآلة في التحويل بين خاماتهما الصوتية (timbre). أضف لذلك أن لحن الأغنية متأثّر بشدّة بأشهر ألحان أم كلثوم، وذلك في المذهب “ماضينا كل ما أفتكره” الذي يبدأ على مقام الكرد، من درجة منخفضة لطبقة القرار، وبأسلوب الموّال الافتتاحي، الذي يمهد لتصاعد لحني على المقام نفسه من درجة الجواب، ما يجعل المقطع الشهير لأم كلثوم “نسيت النوم وأحلامه نسيت لياليه وأيامه…”، يقفز فورا إلى مخيّلة المستمع.

هنا يمكن التساؤل: أين يكمن شق الأصالة الإبداعية في الأمر؟ وما الفارق بين ما قدّمه عمرو مصطفى وما كان يحاول تقديمه أي مونولوجيست أو مُهرّج أو مقلّد، ممن امتهنوا تقليد الأصوات على مدار القرن الفائت؟ أخشى أن يكون الفارق الوحيد هو مساعدة الآلة في التقريب بين هوية الأصوات.

بالمناسبة، انتحال الأصوات الغنائية لأغراض عديدة، منها الشهرة والتجارة وحل الأزمات، كان يحدث قبل الذكاء الاصطناعي، وهناك تجارب مصرية شهيرة في العقود الأخيرة. أشهرها حادثة كان بطلها المطرب بهاء سلطان، الذي تأخّر عن ميعاد تسجيل أغنيته “هو أنت تاني”، فقرر زميله المطرب تامر حسني الغناء بدلا منه، وتقليد صوته كي ينقذ الموقف. كذلك هناك مطربون شباب، لم يجدوا سبيلا للشهرة إلا بانتحال أصوات نجوم الغناء المعروفين. منذ عشرين عاما انتشرت أغنية بعنوان “أبدا أحنلها”، نُسبت لعمرو دياب، ولاقت انتشارا جارفا على هذا الأساس. وبعد فترة اكتشفنا أنها لمطرب مغمور اسمه كريم آدم، حاول تقليد صوت عمرو دياب.

وهناك مطرب سوري معروف باسم نور دياب، صنع مسيرته الغنائية عبر تشابه صوته مع صوت عمرو دياب، وصدرت له شرائط غنائية تباع في الأسواق السوداء، باعتبارها شرائط لعمرو دياب. الأمر نفسه  ينطبق على جورج وسوف، الذي ظهر عديد من المنتحلين لصوته المميز في الغناء. ودون الحاجة لذكاء اصطناعي.

تظلّ تجربة عمرو مصطفى هي الأهم، ربما عالميا، بين كل التجارب التي استنسخت الأصوات بالذكاء الاصطناعي، لا لسبب تقني أو إبداعي، بل لأن خلفها يكمن نوع من التراجيديا ذات المغزى، إذ أن لجوء عمرو مصطفى للذكاء الاصطناعي يأتي بعد سنوات كان يعاني فيها من نبذ ومقاطعة الوسط الموسيقي في مصر، فمعظم المطربين والشعراء والموزعين المهمين ابتعدوا عن التعاون معه في الفترة الأخيرة، لكثرة مشاكله ومواقفه وتصريحاته العدائية تجاه زملاء مهنته، ولأن النجاح خاصم ألحانه منذ بضعة أعوام. فجاء تعاونه مع الذكاء الاصطناعي بمثابة تناص طبيعي مع أسطورة بيغماليون الإغريقية، الذي فشل بطلها في حب امرأة طبيعية، فقرر نحت تمثال لامرأة، ثم يقع في حب التمثال، ويكاد ينتحر بعد يأسه من أن يبادله النصب الججري المشاعر نفسها، إلى أن ترجّى الآلهة كي تحول التمثال إلى امرأة حقيقية، وقد كان. هذا يعطي قصة عمرو مصطفى بؤسا شاعريا محببا للنفس، فلو أسقطنا الأسطورة نفسها على حالته، سيكون الذكاء الصناعي بالنسبة له أشبه بآلهة بيغماليون، أي الأمل الوحيد لتحقيق رغبته المستحيلة. وبعيدا عن الآلهة التي تحيي الحجر الميّت، فما فعله مصطفى أقرب لقصة فيلم her، عن الرجل الذي حاول مقاومة الوحدة بصداقة امرأة اعتبارية، استحضرها عبر تطبيق ذكاء اصطناعي، ثم وقع في حبها، بعد أن تركته زوجته.

موسيقى التقنية: إلى أين يمكن أن تصل عبقرية الآلات؟

بدأنا بسرد عيوب التجربة، ردا على الأصوات التي يصيبها الفزع من كل فتح تقني جديد، ظنا بأنه نهاية الإبداع، لكن لا ينبغي تجاهل الشق الإيجابي في استنساخ الأصوات بالذكاء الاصطناعي. مع التأكيد أن علاقة الآلة بالأغاني لم تبدأ مع تطبيقات استنساخ الصوت، بل ترجع لتاريخ طويل. هناك من يختار بدء هذا التاريخ من نقطة اختراع المسجل والأسطوانات، أو الميكروفون. ولو قفزنا لما هو أحدث قليلا سنصل لتقنية التراكات، ثم تقنيتي الـmidi، والـsampler، اللتين خزّنتا كل أصوات الآلات الموسيقية، بكل النوتات، لتعزف من الكيبورد، فيحلّ الكمبيوتر محل العازف، وهناك تقنية الـquantizer على تطبيقات التوزيع الموسيقي، التي تقوم بتعديل زمني على العزف الحي للآلات، كي يتزامن بدقة متناهية مع الميزان الإيقاعي للمقطوعات الموسيقية، فلا تتأخر النغمة عن مكانها ولو جزءا بسيطا من الثانية. ثم جاءت تقنية الأوتوتيون، التي تعدّل أصوات المطربين بحسب النغمات السبع للمقام الموسيقي، الذي تُغنَي عليه الأغنية، فلا يخرج المطرب عن المقام أبدا، مهما خرج فعليا، ومن ثم لا يصل للمستمع أي نشاز في الأداء.

كل نقطة من هذا التاريخ تعرّضت للنقد، وساد حينها شعور الخوف نفسه من موت الإبداع، موت المطرب، موت العازف، موت الملحن، موت الموزّع. والحقيقة أن كل هؤلاء استمروا جنبا إلى جنب مع التقنية. لكن هل يختلف مصير الأغنية مع تقنية استنساخ الأصوات؟

ينبغي العلم أن الصوت البشري الغنائي له عدة خصال تميّزه، أبرزها خصلتان: الحدّة النغمية (pitch) التي تحدّد نغمات وطبقات السلّم الموسيقي، والخامة (timbre) التي تحدّد الهوية الصوتية.

تطبيقات الأوتوتيون سبق وتعاملت بشكل ممتاز مع خصلة الحدّة النغمية، اذ يمكنها تحويل نغمة الدو إلى دو دياز أو ري، أو أي نغمة أخرى، للتوفيق بين اللحن والأداء، وهذا الشيء تم حسمه منذ ربع قرن بالتكنولوجيا، لأن معالجة الحدة الصوتية تعمل على الترددات الخاصة بكل نغمة، وهي أرقام مجرّدة وثابتة، مما يُسهّل التلاعب بها عن طريق الكمبيوتر. بينما تأتي تطبيقات استنساخ الأصوات بالذكاء الاصطناعي لتعالج الخصلة الثانية للصوت البشري، وهي الخامة، الشيء الذي يجعلك تقول هذا صوت فلان وذلك صوت علان، وبالنسبة للآلات، فهذا صوت العود وذاك صوت الناي، حتى لو كانا يعزفان النوتة نفسها.

وصلنا متأخرين لمعالجة الخامة ومن ثم استنساخ الصوت، نظرا لأن التقنية الجديدة تحتاج لدارسة سلوك عديد من المتغيرات، كي تحدّد البصمة الخاصة بكل صوت، وهو أمر أعقد قليلا من التلاعب بالحدّة النغمية، التي كانت تتعامل مع متغيّر واحد فقط. الآن أصبح ذلك سهلا عن طريق التعّلم الآلي (machine learning)، وصنّاع تلك التجارب يؤكدون أن جودة النسخ تزداد دقة كلما زاد معدّل التدريب الآلي، أي بتزويد برامج نسخ الأصوات بكثير من العيّنات الصوتية لصاحب الصوت المراد استنساخه، بمختلف حالاته ونبراته وطبقاته.

المزايا الواضحة لتلك التقنية، أن التحكم في بصمة الصوت واستنساخه قد يكون مفيدا للمطربين أنفسهم، لأنهم سوف يستخدمونه إذا شاخ صوتهم، فالصوت يشيخ ويذبل بفعل الزمان، مع تراخي الحبال الصوتية، مثل كل عضلات الجسم التي تهن مع الشيخوخة، وبالتالي مع استنساخ النسخة الشابة من صوت المطرب، لن يضطر بعض المطربين لتسوية معاشهم قبل سن الستين، وسوف يمكنهم أيضا استخدام بصمة صوتهم، لو أصيبوا بنزلة برد في أيام تسجيل أغانيهم. هذا على سبيل المثال لا الحصر، كما يمكن للمطرب أن يعطي حق استخدام بصمة صوته للورثة، لإعادة استغلالها تجاريا بعد رحيله. لكن هل سيكفي ذلك لصناعة أعمال إبداعية فعلية؟

بالنسبة للفيلسوف الألماني ارتور شوبنهاور فإن “الموهبة هي أن تستهدف ما لا يستطيع الآخرون استهدافه، أما العبقرية فهي أن تستهدف ما لا يستطيع الآخرون رؤيته”، هذا بالضبط ما سوف يتحدد به الدور الإبداعي للذكاء الاصطناعي، فهو الأستاذ في محاكاة كل ما يستطيع رؤيته من خلال البيانات المسجّلة لديه، لكنه سيقف عاجزا عن منافسة العبقرية الفنية، لأنها تبحر في محيط آخر، بعيد عما يراه الجميع، ومن ثم بعيد عن البيانات، ولغة الصفر والواحد. في الغناء تحديدا، فإن ما ينتزع آهات السمّيعة دائما ما يكون ذلك الشيء البعيد عن التوقعات، حين يكسر المطرب أسلوبه المعروف، لا حين يلتزم به، ومن ثم لا أظن أن هناك مستقبلا حقيقيا لإبداع قائم على المحاكاة.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.