نرجسي، مصاب بجنون العظمة، متكبّر، مهووس بنظرية المؤامرة، ومريض نفسي بالتأكيد، تلك هي الأوصاف التي تلاحق النجم المصري محمد رمضان، الذي يقترن اسمه دائما بكثير من القيل والقال والجدل، منذ صدور فيلمه الأول “الألماني” عام 2012، الذي رآه كثيرين محرضا على العنف والبلطجة. وعلى مدار أكثر من عشرة أعوام، لم تخفت الضجة المثارة حول رمضان، بل على العكس تماما، تزداد في كل ظهور جديد له، وكأنه لم يوجد على الساحة الفنية إلا كي يصنع “التريند”.

جانب من تلك الضجة بدأ مع احترافه الغناء، وتقديم العروض الموسيقية، بأسعار يراها البعض مبالغا بها، ما يشير إلى أن نجاحه بوصفه مؤدّيا غنائيا، لا يقلّ عن نجاحه في مجال السينما والدراما.  وهذا جعل كثيرين يختلفون حول مقدار موهبته، بين الانبهار الشديد بقدراته التمثيلية والأدائية من جانب، وبين اعتبار موهبته مبالغا في تقديرها من جانب آخر.

وبعيدا عن التركيز عن السمات الشخصية لرمضان، التي يهتم كثيرون بتحليلها، باعتبارها مدخلا لفهم أعماله، لا بد من التساؤل عن أسباب قدرة النجم المصري على تصدّر “التريند” دائما، وكيف استطاع استخدام السمات والميزات الأساسية للقوالب الموسيقية والغنائية المعاصرة، في لفت انتباه الشارع المصري والعربي إلى شخصه دائما.

لم تلق إنتاجات محمد رمضان الغنائية حتى الآن الاهتمام النقدي الكافي، ولم توضع تحت المجهر، بوصفها نوعا ولونا فنيا أولا؛ وطريقةً يعبّر بها رمضان عن نفسه ثانيا، وذلك أمر بات شديد الأهمية لفهم تجربته الفنية عموما، بالأخص بعد إصدار فيلم “هارلي” مؤخرا، الذي كان مستوى نجاح الأغاني فيه أعلى بكثير من النجاح التمثيلي والدرامي.

ربما كان السؤال الأهم هنا: كيف فهم رمضان جمهوره، وعمل على تقديم ما يثيره دائما، سواء عبر اللعب على رغباته وأحلامه، أو من خلال الاستفزاز؟ أو بالأصح: كيف اكتشف الخلطة السحرية للتريند؟

ميلودراما الغناء: كيف سوّق رمضان العجائبية المصرية؟

من المعتقدات السائدة حول رمضان أن إنتاجاته الغنائية بدأت مع إصداره للتسجيلات المصوّرة، التي يعظّم نفسه فيها بشكل استفزازي، مثل “أنا الملك” و”نامبر وان”، إلا أن نظرة سريعة على أعمال رمضان السينمائية الأولى، بالتحديد “الألماني”، تبيّن أنه اهتمّ دائما بالأداء الغنائي، ففي ذلك الفيلم ظهرت أغنية “الصوت يا عم أنت وهو”، لشحته كاريكا، والتي صارت من أهم أغاني المهرجان، منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا.

نجاح الأغنية جاء في وقت كانت فيه إشكالية أغاني المهرجانات قد ظهرت على السطح، وصارت من أهم مواضيع برامج “التوك شو”، وموضوعا لهجوم كثير من النقّاد والمثقفين، الذين رأوا أن فيلم “الألماني” جانب من تلك الموجة، التي لا يمكن قياس نجاحها وانتشارها في الشارع المصري إلا بعدد “التكاتك” في المناطق العشوائية، التي تشغّل “المهرجانات” بصوت عالٍ، ضمن حالة متكاملة من العشوائية، تناسب أوضاع ساكني تلك المناطق.

 نجاح فيلم “الألماني” غير المتوقع، وخاصة أغنية المهرجان التي احتواها، دفع محمد رمضان لأداء الأغاني بنفسه في الأفلام التالية، ابتداءً من فيلم “عبده موته” عام 2012، الذي اشتهر فيه مهرجان “أيوه أيوه”. وقد وصل إجمالي إنتاجات رمضان الغنائية حتى الآن لأكثر من 45 أغنية، بين إنتاجات فردية، أو ممزوجة في أعماله الدرامية والسينمائية. وفي خلال رحلته تلك تعلّم رمضان كيف يقدّم أغانٍ تصبح “تريند” بسرعة البرق.

تذكر كاتبة الإعلانات منى القيعي، صاحبة إعلان “أقوى كارت في مصر”، أن أغنية الإعلان كانت المحفّز لمحمد رمضان لاحتراف الغناء، بسبب نجاحها الكبير. وبالفعل بدأ بعدها في إنتاج عدد من المهرجانات/الأغاني، التي نجحت وعلقت في أذهان الجميع. استحلى رمضان اللعبة، فعن طريق أغنية، تُعتبر تكلفتها بسيطة، مقارنة بالإنتاج السينمائي والدرامي، يستطيع أن يكون رقم واحد في التريند، إضافة لاستقطاب جزء جديد من الجمهور، يزيد من شعبيته وانتشاره، وهو الأمر الذي أوضحه صراحة في لقائه مع الفنانة إسعاد يونس، في برنامج “صاحبة السعادة”، إذ قال إن الغناء طريق أسرع وأضمن للعالمية من التمثيل.

لكن لماذا أختار رمضان هذا اللون الغنائي بالتحديد للتعبير عن نفسه؟ الإجابة ربما تكون في مبدأ فلسفي/فني معروف، هو “إذا أردت أن تفهم موسيقى أي شعب، أنظر إلى معماره”. فمثلا يمكنك فهم المعنى والغرض من موسيقى الباروك، إذا نظرت إلى العمارة الباروكية المتكلّفة، المبالغ في زينتها بشكل يوحي بالغلظة. كذلك الأمر في الموسيقى المصرية الشعبية، التي يمكنك بسهولة فهمها، ومعرفة الطرق التي سلكتها لتصل لهذه النمط الفريد، من شكل المعمار المصري في المناطق العشوائية، حيث تتكدس المساكن في مساحات صغيرة، بتنافر شكلي ولوني ملفت للنظر، وهو ما أنتج نمطا خاصا من “جماليات العشوائية”، يختلف بالتأكيد عن الجماليات الكلاسيكية. لم يكن رمضان هو المعبّر الفعلي عن تلك الجماليات، لكنه من أهم من أخرجوها من وسطها الأساسي، وصدّروها بشكل عابر المناطق والطبقات، وبرعوا في تسويقها، وجعل ما فيها من عناصر التنافر طريقة للربح.

إضافة لهذا فطن رمضان لحاجة سكان تلك المناطق لبطل خارق يمثلهم، ويتوحّدون معه، قوي لا يقدر عليه أحد، لا يقبل الظلم، وينتصر في النهاية بكل تأكيد، وقادر على الانتقام ورد الأذى عن نفسه، في خلطة مليودرامية عجائبية، لا تنتج فقط صورا برّاقة لاستهلاك “المهمشين”، وإنما عابرة للفئات، بما تمزجه من تقنيات وعناصر، متماشية مع أحدث مخرجات صناعة الترفيه العالمية. أي أن رمضان فهم أهم ما يصنع التريند العالمي، ودمجه بصور وأوضاع تبدو شديدة المحلية والتهميش، فاستطاع كسب من هم “فوق” ومن هم “تحت”، في الهرمية الاجتماعية المصرية.

التقاط اللحظة: لعبة التماهي والاستفزاز

 أدرك رمضان كل ذلك تقريبا منذ فيلم “قلب الأسد” عام 2013، الذي عرف كيف يلتقط اللحظة الاجتماعية التي صدر بها، إلى درجة أن الناس قاموا بتركيب صورة الرئيس عبد الفتاح السيسي على بوستر الفيلم، الصادر بالتزامن مع أحداث 30 يونيو في مصر. ظل التقاط اللحظة حليف رمضان، حتى آخر أعماله في شهر رمضان الماضي، مسلسل “جعفر العمدة”، الذي تابعه الشارع المصري، بالطريقة نفسها التي تابع فيها المنتخب المصري في كأس العالم قبل خمس سنوات. وجد كثيرون أنفسهم متماهين مع البطل بشكل غير مسبوق، لا يستطيع أحد غير محمد رمضان تحقيقه.

إلا أن التماهي الإيجابي ليس طريقة رمضان الوحيدة في لفت انتباه جمهوره، فعلى الجانب الأخر، تكمن خطته التسويقية في “الاستفزاز” بكل الطرق الممكنة: ملابسه، عريه، حركاته، ركله الرجل الشهيرة التي يؤديها أمام الكاميرا، صوره مع أطنان من الأموال، والسيارات باهظة الثمن، التي توجّه لشعب يعيش قسم كبير منه تحت خط الفقر. وكأنه يقول: أنا أشبهكم، ولكن هذا لا يمنعني من امتلاك كل هذا.

لا يتوانى رمضان عن الاستفزاز، حتى لو وصل به الأمر لالتقاط صورة مع المغني الإسرائيلي عومير آدم؛أو التسبّب في فصل الطيار المصري أشرف أبو اليسر، بعد نشره صورة معه في قمرة قيادة الطائرة التي كان يقودها. المهم بالنسبة لرمضان أن يكون متواجدا بشكل أسبوعي على الأقل في الترند العربي. من الملحوظ كذلك الارتباط الدائم بين تلك الحركات الاستفزازية، وإصداره أغنية أو فيلما جديدا.  

الحقيقة أن التكبّر والتصرفات المشاكسة ساعدت رمضان للغاية، فقد حققت أغنيته “نامبر وان” حوالي 190 مليون مشاهدة على موقع يوتيوب؛ فيما وصل عدد مشاهدات أغنية “أنا الملك” إلى 160 مليون مشاهدة.

بعد ذلك حاول جاهدا البقاء على قائمة أغاني التريند، حتى لو عن طريق إنتاج أغنية للجيش المصري، أو “ديس تراك” عن المقاول المصري الهارب محمد علي، المنتقد للحكومة المصرية، فأيا كان الموضوع المنتشر حاليا، يبقى رمضان على أتم الإستعداد لأن يشارك فيه بأغنية/ مهرجان، المهم أن يبقى متواجدا على الساحة. ومع ذلك، لم يستطع أن يحقق نجاحا مماثلا لأغانيه الأولى، إلا عندما لجأ لاستفزاز أكبر، كما في أغنية  “بوم بوم، رايحين نسهر”، التي حققت 283 مليون مشاهدة على اليوتيوب حتى الآن. تتميز تلك أغنية بلحن مميز، يُحفظ بسهولة، وكذلك بالكلمات التي لا تحتوي على أي معنى مهم، إلا أن فيها كثيرا من “الصياعة”، لذلك حصدت ذلك  النجاح. كرر رمضان الخلطة نفسها فيما بعد في عديد من أغانيه اللاحقة، التي تفاوت في مستوى نجاحها، ولكنها كانت دائما “تريند”، مثل مافيا (235 مليون مشاهدة)  كورونا فيروس (58 مليون مشاهدة) ثابت (40 مليون مشاهدة).

سعى رمضان أيضا للركوب على تريندات غير مصرية، مدركا أهمية الإنتاجات المشتركة مع فنانين نجحوا في تصدّر التريند في بلدانهم، أيا كان السبب. فجاء تعاونه الأول مع المغني المغربي سعد لمجرد، في أغنية “انساي”، التي تعدّ من أنجح أغاني رمضان، بحصولها على 362 مشاهدة على موقع يوتيوب. كما قدّم تعاونا محليا مع يسرا الجندي، صاحبة أغنية “لا يا بهيرة” الشهيرة، ولكن تلك الأغنية لم تنجح مثل أخواتها، فحصلت على 3 مليون مشاهدة فقط. مؤخراً، يقدّم رمضان تعاونات فنية مع مغنيي راب عرب وأفارقة، من أصحاب الشهرة العالمية الواسعة، مثل  ميتري جيمس، في أغنية “يا حبيبي” (141 مليون مشاهدة)؛ وسولكينج المغربي، في أغنية “متعودة” (23 مليون مشاهدة). والحقيقة أن أموال محمد رمضان هي من تؤمن له فرصة هذه التعاونات الدولية، التي يتمنى أن يحظى عليها أي مغنٍ من مشهد الراب المصري.

بعد عقد من الزمن: هل ركوب “التريند” فعل آمن؟

في لحظتنا الحالية ما يزال رمضان متصدّرا، فبعد النجاح الجماهيري الكبير لمسلسل “جعفر العمدة”، ظهر في عيد الفطر الماضي في فيلم “هارلي”، بالاشتراك مع الفنانة مي عمر، ورغم ضعف الفيلم على المستوى الفني، سواء من ناحية الكتابة أو التنفيذ، إلا أنك وبالتأكيد، عند خروجك من قاعة السينما، ستجد أغنية “كام بيبي كام ” تتردد في أذنك باستمرار، وأول ما ستبحث عنه غالبا هو أغاني الفيلم، سواء أغاني رمضان أو الدابل زوكش.

يجمع رمضان والمتلقي المصري بشكل خاص، والعربي عموما، علاقة “سامة” ثنائية الوجدان، فمن جانب يرى المواطن البسيط نفسه في بطولات رمضان، ويتمنى أن يكون الرجل القادر على مواجهة الظلم، المحبوب من الجميع، والمثير للنساء؛ كما يستطيع أن ينفث مشاعر الغضب التي تتراكم داخله يوميا، من خلال القدر الكبير من العنف والأكشن، الذي يراه في تلك الأعمال. ومن الجانب الأخر يشعر بالاستفزاز من غرور رمضان المبالغ فيه، وأمواله الطائلة، وسياراته الفارهة، وملابسه الجريئة، التي لا يجرؤ الشخص العادي على ارتدائها.

إنها علاقة حب وكره في آن واحد، تضمن دوما لرمضان أن يكون “متشاف” على الساحة الفنية. لنجد في النهاية أن كل ما يقدمه هو استغلال للمناخ الثقافي والاجتماعي العام السائد، أيا كان شكله، مع إضافة لمسة استفزازية تخصّه هو، حتى يبقى مرئيا أكثر وأكثر. وإذا كان كل النجوم في التاريخ الفني المصري قد فهموا المناخ السائد، وعملوا على الاستثمار فيه، فإن خلطة محمد رمضان لا تقدّم فنا، بقدر ما تنجح بلفت الانتباه. هي “بنت عصرها” بالتأكيد، ولكن لا بد من الحذر من طبيعة هذا العصر. لأن خلطات من ذلك النوع غير مضمونة النجاح دوما، فالتريند بطبعه متبدّل وسريع الزوال وقابل بشدة للنسيان، كما أن اتجاهاته شديدة التشتت، ولا يمكن دائما توقّع العوامل التي تصنعه، ولذلك فقد يجد رمضان نفسه يوما خارج اتجاهات التريند السائدة، فتصبح محاولاته لمجاراتها أشبه بنكته سمجة، مهما بذل جهدا في الاستفزاز.  

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.